مركز رافد
ما رأيك في تصميم الموقع الجديد لشركة وقف رافد




الفلم التعريفي لرافد
الوقف كوسيلة لدعم التعليم: رؤية مستقبلية
الوقف كوسيلة لدعم التعليم: رؤية مستقبلية
29 سبتمبر 2016 - 28 ذو الحجة 1437 هـ( 2059 زيارة ) .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد:
 
يسرني أن أشارك في محاور هذه الندوة من خلال طرح ما أراه مناسباً لتوفير وسيلة دعم مالي فعّال وذو طبيعة استمرارية للمؤسسات التعليمية لتحقق أهدافها التربوية، وتنفذ أنشطتها الثقافية دون إبطاء أو عرقلة.
 
والذي يدفعني لاختيار الوقف كداعم اقتصادي ( مناسب ومستقبلي ) للتعليم لأقدمه لهذه الندوة هو قناعتي بأن الوقف على التعليم هو خير ما يقدمه المجتمع للتربية والتعليم في بلادي، وهذه القناعة لدي تولدت من استقراء التجربة التاريخية التي خاضتها أمتنا مع الوقف على التعليم وعلى غيره من المجالات الحيوية الأخرى بنجاح باهر على الصعيد التربوي والاجتماعي كما الجانب الاقتصادي، بل إن واقعنا المعاصرة يزخر بالكثير من الممارسات الواقعية لتلك التجربة في بلادنا ولا يزال بعضها قائماً الآن.
 
وتجديد فاعلية الوقف التعليمي في حياتنا سيعود بالأثر المحمود على التربية والتعليم، وأثر الوقف يكاد يتداخل في جميع نواحي حياة الأمة كمشروع حضاري لا تقف آثاره عند جانب بل تمتد لتشمل النواحي الحيوية في المجتمع بل ويوفر حلاً لمشاكله الاجتماعية وأزماته الاقتصادية.
 
ورأيت أن أجعل هذه الورقة في أربعة مطالب: (المطلب الأول) قدمت فيه نظرة تأصيلية شرعية وتاريخية للوقف، و (المطلب الثاني) حللت فيه نماذج لدور الوقف في دعم مؤسسات تعليمية في بلادنا، و (المطلب الثالث) رصدت فيه العقبات الواقعية التي تعترض قيام الوقف التعليمي بدوره الحضاري المنتظر في مجتمعنا السعودي، و (المطلب الرابع) اقترحت فيه التوصيات التي رأيتها مناسبة والقابلة للتطبيق و ضمنت تلك التوصيات أفكاراً جريئة أرجو أن تقبل شرعياً و اجتماعياً واقتصادياً.
 
وحسبي أني اجتهدت بما أعلم بدافع الرغبة في تطوير التعليم في بلادي بتقديم رؤية شرعية واقتصادية لمساهمة الوقف في نهضته عن طريق الأسلوب الأمثل للمشاركة الأهلية الجماعية في وقف الأوقاف على الأغراض التعليمية والتربوية، يقودني في ذلك كله حب الخير لمجتمعي والبحث عن الأفضل لأمتي في سبيل رقيها وتقدمها بدفع عجلة العلم والمعرفة ليخرج للأمة ناشئة صالحين مصلحين هادين مهديين بإذن الله تعالى إنه ولي ذلك والقادر عليه آمين.
 
المطلب الأول: تـأصيــل الـوقـف
التأصيل الشرعي:
لم يتفق الفقهاء على تعريف موحد للوقف، ولكن هناك معنى عام تدور حوله جميع صيغ تعريف الوقف وهذا المعنى العام هو الذي جاء مختصراً بليغاً في حديث الرسول(صلى الله عليه وسلم) لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه): "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها".
 
وللوقف أصول كثيرةً في القرآن الكريم وهي عامة الدلالة وهي تلك النصوص التي تنطوي على الحث على الإنفاق في سبيل الله والترغيب في أجره العظيم، مما شكل في حس المجتمع المسلم - قديماً وحديثاً - دافعا قوياً للترغيب في الوقف الخيري، ومن السنة ما رواه أبو هريرة (رضي الله عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقه أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته".
 
وينقسم الوقف عملياً إلى قسمين: خيري (عام)، وهو الذي يخصص لصالح جهة خيرية من جهات النفع العام، كالمساجد والمدارس والمكتبات العامة، ووقف ذري (أهلي): وهو الذي يجعل الواقف نفعه على ذريته من بعد موته.
 
نماذج من أوقاف السلف:
يعتقد أن أول وقف أوقف في الإسلام هو تلك البساتين السبعة التي أوقفها النبي(صلى الله عليه وسلم) والتي كان تلقها هدية من اليهودي مخيريق، الذي قال عنه النبي (صلى الله عليه وسلم): "مخيريق خير يهود".
 
كما أوقف أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) أرباعاً له بمكة لا تورث ولكن يسكنها من شاء من ذريته. وأوقف عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سهمه من أرض زراعية من غنائم خيبر. أمّا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) فقد أوقف (بئر رومة) ليشرب منها المسلمون مجاناً، وذلك بعد أن اشتراها من مالكها اليهودي، الذي أضر بالمسلمين ببيعهم مائها.
 
أمّا الصحابي أبو طلحة (زيد بن سهل الأنصاري) (رضي الله عنه) فقد أوقف حديقته المسماة (بيرحاء) في المدينة النبوية وكان فعله السخي هذا سبباً في نزول قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران / 92).
 
التأصيل التاريخي:
لقد أسهم الوقف في تقدم الأمة الإسلامية لدعمه مجالات حيوية كثيرة كدعمه للمؤسسات التربوية والتعليمية مثل:
 
أولاً: الخلاوي: ومفردها خلوة وهي شبكة خلايا علمية تنـتشر وتشتهر في أفريقيا خاصة، وغرضها تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية لصغار التلاميذ، وكبار الطلبة.
 
ثانياً: الكتاتيب: أنشأ المسلمون على مر تاريخهم كتاتيب وقفية لتعليم القرآن الكريم للأطفال للفقراء واليتامى. ومن تلك الكتاتيب كُتاب الضحاك بن مزاحم (ت: 105هـ) والذي كان يتردد عليه (3000 طفل فقير) في بلاد ما وراء النهر (تركستان حالياً). وكانت خدمة الوقف للكتاتيب تشمل إلى جانب تدريس الطلاب القرآن الكريم ومبادئ العلوم، خدمات أخرى كالإعاشة، والصدقات، والنفقات في اللباس وأدوات الدراسة. وقد ذكر الرحالة ابن جبير في (القرن 6 هـ) أنه شاهد كتاتيب موقوفة على الأيتام واللقطاء وأولاد الفقراء في القاهرة ودمشق وقال بأنهم كانوا يسمونها في مصر (كُتاب سبيل).
 
ثالثاً: المدارس: تأخر ظهور المدارس إذا ما قورنت بالكتاتيب فلم يسجل لنا التاريخ الإسلامي نماذج منها قبل أوائل (القرن 5 هـ)، وقد شملت الوقفيات تأسيس المدارس التي كانت تدرس مختلف العلوم الشرعية والعربية والتاريخ والطب وعلوم أخرى غيرها.
 
وفي بدايتها ألحقت بالمساجد المدارس، وشمل التعليم فيها جميع الفئات الاجتماعية، من الرجال والنساء والمماليك والأيتام واللقطاء والبوابين والفراشين كلّ ذلك بفضل شروط الواقفين لها.
 
ومما يجلّي دور الوقف في دفع عجلة التقدم العلمي والتعليم في تاريخنا الحضاري كثرة المدارس الوقفية ففي بغداد في (القرن 6هـ) بلغ عدد مدارسها (300 مدرسة) وفي الفترة ذاتها بلغ عدد مدارس دمشق (20 مدرسة) وفي القاهرة في (القرن 9هـ) بلغ عدد المدارس فيها (63 مدرسة) وفي مكة المكرمة في نفس الفترة بلغ عدد المدارس بها (11 مدرسة)، أمّا في صقلية الإسلامية فقد بلغ عدد مدارسها الوقفية (300 مدرسة) وكان التعليم فيها متاح للغني والفقير والغريب مع إيجاد السكن والطعام والمطالعة.
 
رابعاً: المكتبات: عرف المسلمون المكتبات باسم خزائن الكتب وكان وقفها يتم بوقف مكتبات كاملة أو كتباً مفردة ينص الواقف على طرتها ما يفيد وقفها وتلك المكتبات أقرب إلى دور العلم ومراكز للنشر والترجمة, وكان واقفوها من الحكام أو من رجال الدولة أو من العلماء أو من الأثرياء. وخدماتها لا تقتصر على توفير الكتب فقط، بل إفراد قاعات للمطالعة وأدوات النسخ والإضاءة والسكن والإعاشة. ويقول الرحالة (ابن جبير) في مشاهداته: إن مكتبات مصر قد خصصت لأهل العلم الغرباء المأوى والمال لإصلاح الحال والحمامات والعلاج والخدم لخدمتهم(32).
 
خامساً: الأوقاف على الأبحاث العلمية: كان الوقف من أهم مصادر تمويل الأبحاث العلمية من حيث الإنفاق أو تشجيع العلماء الباحثين. بل إن تأسيس دور العلم ومعاهد التربية ومراكز البحث ما هي إلاّ صورة من الدعم اللامحدود للبحث العلمي وذلك بما يوفره هذا الدعم السخي للعلماء والباحثين من راحة نفسية، وأمن اجتماعي، واستقرار معيشي لكي يفكرون ويبدعون ثمّ ينتجون. ومن الممكن أن يقال أن الوقف مول الحركة العلمية، والبحثية، بتمكينه من نسخ الكتب، ونشرها، وحفظها في خزائن الكتب الوقفية بما تضمه بين دفتيها من علوم زاخرة وأبحاث متقدمة في مختلف علوم وفنون الحضارة الإسلامية.
 
ما سبق يؤكده العالم الجغرافي ياقوت الحموي (ت:626هـ) بأن ما كتبه في كتابه (معجم البلدان) كان مما جمعه من فوائد من كتب الوقف التي استعارها من خزائن الكتب (بمرو الشاهجان) الوقفية حيث يقول: "وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثرها بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار فكنت ارتع فيها وأقتبس من فوائدها وأنساني حبها كلّ بلد وألهاني عن الأهل والولد وأكثر فوائد هذا الكتاب (معجم البلدان) وغيره مما جمعته فهو في تلك الخزائن".
 
الأوقاف التعليمية في الجزيرة العربية
الأوقاف الحجازية:
لقد قامت في مكة المكرمة الكثير من المدارس الوقفية في أزمنة متعاقبة،ولكنها اندثرت جميعها ومنها:
 
المدرسة الأرسوفية أوقفت عام (571هـ)، ومدرسة أبي طاهر المؤذن أوقفت عام (635هـ)، ومدرسة الأدارسة أوقفت عام (638هـ)، والمدرسة الأفضلية أوقفت عام (770هـ).
 
ومن الأوقاف على الكتاتيب في الحرمين الشريفين ما ذكره بعض المؤرخون من أن ابن رزيك الوزير المصري (ت:558هـ) قد أوقف أوقافا على تعليم الصبيان بمكة المكرمة والمدينة النبوية، ويصرف ريع تلك الأوقاف على شراء الألواح والأوراق والأقلام والمداد والمحابر.
 
أما المكتبات الوقفية في الحجاز فهي أكثر من أن تحصى منها مثلاً: وهي مكتبة (بني فهد) الوقفية، وبني فهد من الأسر العلمية في مكة المكرمة، وقد زارها كثير من المؤرخين، و العلماء مثل السخاوي و المقريزي والسيوطي. ولذا كسبت صيتاً علمياً وشهرة تاريخية لم تكن لتحظى بها إلا لأن صاحبها الشيخ التقي بن فهد (القرن 9هـ)، قد أوقفها على ذريته، وكل طالب علم من أهل مكة أو من الغرباء، هذا في حياته أما بعد مماته فكانت وصيته أنها وقف لذريته ولا يمنع عنها غيرهم.
 
الأوقاف النجدية:
اشتهر أهل نجد منذ القدم بكثرة الأوقاف على أغرض متنوعة حتى لكأنها شملت كل مناحي حياة مجتمعاتهم، ولقد كان انعدام السلطة السياسية المركزية أو ضعفها في نجدٍ لقرون قبل الدعوة السلفية والدولة السعودية من العوامل الهامة التي جعلت للوقف مكانة اجتماعية ودور علمي، فالمبادرة الشعبية لتقديم الخدمات التنموية للمجتمع عن طريق الوقف عوضت المجتمع عن الفراغ السياسي القائم آنذاك. والذي يعنينا من تلك الأغراض الوقفية هي الأوقاف التعليمية كالوقف للكتب، والمكتبات، والوقف على الكتاتيب، وعلى طلبة العلم في المساجد.
 
ومن أقدم الأوقاف التي حفظتها لنا الوثائق النجدية، وقف الشيخ حسن بن على بن بسام، من أشيقر من إقليم الوشم (ت: 945هـ) وقد جاء في وقفيته ما نصه: "والكتب كلها مصاحف، وكتب العلم جميع ما أملك منها وقف على طلبة العلم من ذريتي…. و وليها طالب العلم المصلح ولا لأحد عليه اعتراض في ولايته".
 
ومن الأوقاف الزراعية المخصصة لطلبة العلـم، ما أوقفه الشيـخ محمد بن إبراهيـم أبا الخيل، الذي تولى قضاء مدينة عنيزة عـام (1145 هـ) حيث أوقف بسـتانيه المسميان (العليا والخياط) على طلبة العلم من ذريته ولهم حق النظر فيه.
 
ومن أوقاف العلماء النجديين خارج بلادهم، ما أوقفه الشيخ صالح آل جوعان (القرن13 هـ) وكان مدرساً بالمسجد النبوي الشريف على من يتولى تدريس المذهب الحنبلي في المسجد النبوي الشريف، ولازال الوقف عامراً سارياً.
 
ومن الأوقاف الشهيرة، ما أوقفه الشيخ حمد بن محمد البسام، من أعيان مدينة عنيزة عام (1261 هـ) حيث أوقف مكتبة الشيخ محمد الهديبي بعد وفاته حيث صارت في ملكه بشرائها من ورثته، وكانت مكتبة نفيسة جداً، وقد أوقفها البسام على ذريته نظراً واستحقاقاً. وبعض مخطوطاتها الآن من موجودات المكتبة الوطنية بعنيزة الملحقة بالجامع الكبير فيها.
 
ومن الأوقاف التعليمية، ما ذكره بعض المؤرخين في مدينة المذنب بالقصيم، حيث أوقفت أوقافاً جمة على طلبة العلم في حلقة الشيخ عبدالله بن محمد الدخيّل (ت: 1324هـ) في مسجد الشورقية والتي كان منها:
 
سكن لطلبة العلم مكون من بيوت طينية قرب المسجد، وجعلت الولاية عليها للشيخ ابن دخيّل.
 
أربع مزارع نخيل لصالح طلبة العلم أوقفها حاكم قطر الشيخ (قاسم بن ثاني توفي عام 1321 هـ) في مدينة المذنب.
 
وقف يذبـح منه كبشين كل يوم لإطعام طلبة العلم، الذين بلغ عددهم آنذاك (90 طالباً).
 
الأوقاف الإحسائية:
اشتهرت الإحساء بشهرة علمية مشهودا بها،وليس أدل على ذلك من أن طلبة العلم يفدون إليها من كل صوب، ولعل من أشهرهم الشيخ المصلح الإمام (محمد بن عبدالوهاب ت:1206 هـ). وان كان من سبب وراء هذه الحركة العلمية النشطة فهو بسبب الوقف على العلماء وطلبة العلم والمؤسسات العلمية كالمكتبات والكتاتيب والمدارس والأربطة، الذي يساهم فيه القادرين من الولاة الأتراك والأعيان من العلماء والتجار والعامة أيضاً.
 
ومن المدارس الوقفية التي ظهرت في الإحساء قبل أكثر من قرن (المدرسة الشلهوبية) التي أسسها الشيخ أحمد بن شلهوب عام (1183 هـ)، وأوفقها على طلبة العلم، حيث خصص ثلث ريع وقفها لخدمة الطلاب وقد حددت الوقفية تأمين الماء البارد للطلاب في الصيف، كما حددت أيام الأجازات وهي العيدين ورمضان ويومي الجمعة والثلاثاء من كل أسبوع. ومنها المدرسة التي أسسها راشد بن دهنين العماني عام (1292 هـ) وأوقفها على طلبة العلم. وكان التدريس في هاتين المدرستين موكول لأسرة آل الشيخ أبى بكر الملا.
 
ومن الأربطة العلمية التي ظهرت في الإحساء، رباط الملا والذي أسسه الشيخ محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن بكر الملا، وكان هذا الفاضل قد درس بالصولتية بمكة المكرمة، فقدم بلده متأثراً بتجربتها فحاول تكرارها، فأقام رباطه في حي الكوت بمدينة الهفوف حاضرة الإحساء، وكان الرباط مكون من قسمين، أحدهما لإيواء ابن السبيل والحجاج والغرباء، والقسم الآخر لطلبة العلم وكان دورين السفلي منهما لسكن الطلبة، والعلوي جعل فصولاً علمية لدراسة الطلبة. وقد تجمعت لهذا الرباط الكثير من الأوقاف الزراعية كمزارع النخيل ومزارع الرز الحساوي لصالحه، ومن الأوقاف عليه دور سكنية للإيجار، وكان ريع تلك الأوقاف يصرف في مصالح الرباط كصيانته وتوفير الطعام للنـزلاء وتخصيص نفقة للطلاب ورواتب للمعلمين كما يجلب بريع الوقف الكتب والأوراق والأقلام والحبر والمحابر.
 
المطلب الثاني: نماذج تحليلية لمؤسسات تعليمية وقفية معاصرة
أولاً: الكتاتيب:
تعد الكتاتيب شكلاً ومضموناً من الأساليب التقليدية الرائدة ذات الأثر البالغ في تربية ناشئة المجتمعات الإسلامية على مر العصور، وذلك نظراً لما تقوم به من ربط الناشئة بالكتاب العزيز الذي يصلح القلوب ويقوم الألسن والسلوك، فيشب الطفل المسلم على فضائله وأحكامه.
 
والكتاتيب كمصطلح لمؤسسة تربوية؛ هي ذلك المكان المخصص لتعليم أطفال المسلمين كتاب الله الكريم (قراءةً وحفظاً وتجويداً) مع بعض مبادئ العلوم الشرعية والأدب والتاريخ والخط، وهي بذلك توازي بدورها التعليمي قديماً التعليم الابتدائي الآن، في كثير من النواحي. وكان التمويل المادي لتلك الكتاتيب يأتي من عدة مصادر أبرزها ثلاث هي:
 
أ - ما يفرضه المعلم على التلاميذ من مبلغ شهري أو أسبوعي.
 
ب - التبرعات العينية التي يقدمها الأهالي طوعاً لمعلم الصبيان في الأعياد والمواسم
 
ج - الأوقاف المخصصة لتعليم التلاميذ الصغار القرآن الكريم في الكتاتيب.
 
ويعد مقر الكُتاب وقفاً شرعياً إن كان جزء من المسجد أو مستقلاً عنه.
 
إن الأوقاف على المسجد ذاته يستفيد منها الكُتاب الملحق به، لأنّ العادة جرت على تخصيص جزء من ريع أوقاف المسجد لصالح تعليم الصبيان، ويصرف منه نفقة على المعلم ومكافآت للتلاميذ.
 
كان بعض الموسرين من التجار وملاك المزارع يقفون بعض أملاكهم لصالح تعليم الصبيان في بعض المساجد، وكانت تلك الأوقاف تصرف على المعلم وتلاميذه وصيانة كُتابهم إذا احتاج لذلك وتوفير الألواح والأطيان والأحبار والأقلام والمصاحف أحيانا وربما أدوات العقاب (البدني) المستخدم آنذاك..
 
و نسأل لماذا اختفت الكتاتيب من حياة المجتمع السعودي؟ وللإجابة على السؤال نذكر عدة عوامل لذلك هي:
 
1 - ضعف التمويل الوقفي للكتاتيب، بسبب انخفاض ريعه لسوء إدارته أو بسبب التعدي عليه، ولتمويل الكتاتيب بتبرعات مقطوعة، تتوقف عادة بذهاب أصحابها أو عجزهم.
 
2 - أن أغلب تلك الكتاتيب مرتبطة بأشخاص المعلمين القائمين عليها فبموتهم أو عجزهم يتوقف نشاط كتاتيبهم.
 
3 - دمج كثير من الكتاتيب التي كانت قائمة مع بداية ظهور المدارس النظامية الأهلية مع تلك المدارس، مما شكل عاملاً آخر لاختفائها. ومن تلك المدارس، مدرسة الفلاح الأهلية عام (1337هـ) في مكة المكرمة، ومدرسة صالح بن صالح الأهلية في عنيزة عام (1348هـ). وهذه المدارس الأهلية مهدت بدورها لقيام المدارس الحكومية فيما بعد.
 
ولكن كما ذكرنا سالفاً فالكتاتيب لم تكد تختفي بصورتها القديمة حتى عادت حية نشيطة في المجتمع بعد عقود قليلة من غيبتها الأولى، باسم حلقات تحفيظ القرآن الكريم وقد تظافرت عدة عوامل لصحوتها تلك منها:
 
1 - سريان روح الصحوة الدينية (عقيدة وسلوكاً) في جسد الأمة بصورة عامة، والمجتمع السعودي بصفة خاصة.
 
2 - قيام المخلصين بالعمل على بث الوعي بأهمية تعليم كتاب الله للناشئة، ودعمهم لتلك الحلقات المباركة بالجهد، والمال، ونشرها في كلّ مدينة وقرية.
 
3 - إحياء الأوقاف على الكتاتيب (قديماً) لتصرف على حلقات تحفيظ القرآن العزيز في المساجد حالياً.
 
وتتشابه الحلقات الخيرية تحفيظ القرآن الكريم (حديثاً) مع الكتاتيب الوقفية (قديماً) من عدة وجوه منها:
 
1 - أنهما ذات نفع خيري عام.
 
2 - أنهما خيريتين من جهتي النفع والتمويل الوقفي لهما.
 
3 - اشتراكهما في منهج موحد، وهو تعليم القرآن الكريم تلاوةً وحفظاً وتجويداً.
 
4 - اتخاذهما المسجد أو ما ألحق به مقراً لتعليم الأولاد، أمّا البنات فكانت منازل المعلمات هي مقار كتاتيبهن، والآن خصصت لهن جمعيات تحفيظ القرآن مدارس خاصة.
 
ثانياً: المدارس:
في المملكة العربية السعودية ظهرت المدارس النظامية الأهلية قبل المدارس النظامية الحكومية, ولهذا اعتمدت تلك المدارس الأهلية على تمويل مؤسسيها والمحسنين من الأهالي بالتبرعات وإيقاف الأوقاف.
 
المدرسة الصولتية: أسست هذه المدرسة الوقفية في مكة المكرمة عام (1292هـ) على يد الشيخ، رحمة الله الهندي (ت:1308هـ) أحد مدرسي المسجد الحرام، وبتمويل الحاجة صولة النساء الهندية، وإليها تنسب المدرسة وهي التي جعلتها وقفاً على طلبة العلم وبنت لها الأوقاف في الهند ومكة شرفها الله، وفوضت الشيخ رحمة الله لإدارة المدرسة و النظر في أوقافها، والذي لازال أحفاده يتوارثون تلك النظارة إلى يومنا هذا، حيث لا تزال المدرسة قائمة برسالتها على مدى تاريخها الطويل البالغ أكثر من (130 سنة).
 
أوقاف المدرسة الصولتية: لا تتلقي المدرسة أي إعانات مالية حكومية، فالمدرسة مكتفية بأوقافها التالية:
 
1- يعتبر مبنى المدرسة القديم والحديث أوقافاً يتم تأجيرهما كسكن للاستفادة من ريعها وذلك في أيام العطل والمواسم.
 
2 - المسجد والمكتبة الملحقة بالمدرسة هما وقف عليها.
 
3 - يتبع للمدرسة أوقاف قديمة جداً وقد تمّ تجديدها، وهي كثيرة ذا ريع وفير.
 
4 - يتبع للمدرسة بستان في منطقة العمرة بحي الزاهر وهو وقف قديم على المدرسة.
 
وإذا كانت تجربة المدرسة الصولتية مع الوقف ناجحة، فان غياب الدور الفعّال للوقف في تجارب أخرى أصابها بتعثر مادي وأفقدها القـدرة على الاستمرار في أداء رسالتها، ومـن الأمثـلة التـاريخية نسوق مثلين:
 
مدارس الفلاح: قامت مدارس الفلاح في جدة عام (1323هـ)، وفي عام (1330هـ) افتتحت لها فرعاً بمكة، وكانت هذه المدارس تحظى بدعم مالي كامل من مؤسسها الشيخ محمد علي زينل، والذي كما ذكر بعض مؤرخي الحجاز كان يرفض أن يشاركه أحد في الإنفاق على مدارسه، والتي كانت تصل نفقاتها إلى (14000) جنيه ذهبي، ولكن الظروف الاقتصادية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى أدت إلى تراجع ثروة الشيخ زينل وتناقص معه الإنفاق بسخاء على مدارسه تدريجياً حتى توقف نهائياً عام (1351هـ)، إلا أن المدارس ظلت قائمة بفضل تبرعات المحسنين من تجار الحجاز والحجاج القادرين. وعندما وصلت الأمور إلى هذا الحد تحرك وجهاء جدة وتجارها وطلبة تلك المدرسة، حيث اقترحوا التبرع لصالح المدارس بقرش واحد على كل طرد بريدي يصل لهم وبعد موافقة الدولة تم التنسيق مع الجمارك السعودية على تحصيل هذا القرش، فوفر هذا المشروع الذكي مبلغ (مليون ريال سعودي) سنوياً مما ساعد المدارس على النهوض من كبوتها المالية، وتوقف هذا المورد عام (1360هـ). وفي عام (1403هـ) تبرع الشيخ إبراهيم الجفالي (وهو ممن درس بمدرسة الفلاح بمكة) بأرض إسلام بمكة المكرمة بقيمة (33 مليون) ريال سعودي، ومساحتها (24 ألف)م2، وجعلها وقفاً على مدارس الفلاح، ونفذ عليها مشروع متكامل لمدارس الفلاح بمكة، كما شمل عقار سكني وتجاري وقفي لصالحها.
 
من التجربة السابقة لمدارس الفلاح من ناحية التمويل المادي، ثبتت أهمية الوقف في دعم المؤسسات التعليمية، فالمدارس تعثرت مالياً لأكثر من مرة، ولم يكن ذلك ليحدث لو أنها قامت على الوقف الخيري ولكن عندما تبنت (مؤخراً) دوراً فعالاً للوقف كمصدر تمويلي لتحقيق أهدافها التربوية والتعليمية تمت إقالتها من عثرتها ونهضت من كبوتها.
 
مدرسة النجاح: قامت في مدينة الهفوف بالإحساء، وكان تأسيسها بجهد ذاتي من الشيخ (حمد بن محمد النعيم)، وذلك في عام (1343هـ) والتي كانت أشبه بالكتاتيب منها بالمدارس النظامية، ولكن مع ازدياد أعداد الدارسين وقلة الإمكانيات، اتجه الشيخ النعيم إلى طلب المساعدة من أثرياء بلده، فنهض معه الشيخ الثري عبدالله بن حسن القصيبي، الذي أسهم في تطوير المدرسة لتستمر في تقديم خدماتها للمجتمع، ولتصبح قادرة على استيعاب مئات من التلاميذ الذين بلغوا عند افتتاحها (300 تلميذ) انتقلوا إليها من مدرسة الشيخ النعيم مع شيخهم الذي أصبح مديراً لها، وكان ذلك عام (1348هـ) وأطلق الشيخ القصيبي على المدرسة اسم (مدرسة النجاح) وكان مما قدمه الشيخ القصيبي للمدرسة من دعم:
 
1- تبرع بإحدى منازله (في حي القرن بالهفوف) ليكون مقراً للمدرسة.
 
2- وفّر الكتب اللازمة للتدريس.
 
3- أنفق على توفير لوازم الدراسة من أوراق وأقلام.
 
4- تكفل برواتب المعلمين والعاملين.
 
بهذا التطوير وهذه الخدمات التي تقدمها المدرسة ارتقت من مرحلة الكتاتيب إلى المدرسة النظامية خاصة أن علومها توسعت لتدرس القرآن الكريم وعلومه واللغة العربية والخط والحساب ومسك الدفاتر.وفي عام (1351هـ) توفي الشيخ النعيم مؤسس المدرسة ومديرها، فخلفه من لا يستطيع أن يحافظ على مكتسباتها، فانفرط عقد المدرسة وانحل شملها.
 
بعد عرض هذا المثال نتساءل: لماذا تلاشت تلك التجربة التربوية الرائدة؟
 
والجواب هو: أن هذه المؤسسة التربوية ارتبط قيامها واستمرارها بأشخاص فذهبت بذهابهم ولأنها اعتمدت على التبرعات المقطوعة (عينية أو مالية)، ولم تحول تلك التبرعات إلى أقافاً دائمة تدر عليها الريع الوفير، وهنا حدثت خسارة فادحة للمجتمع الذي نشأت فيه، خاصة إذا علمنا أن المدرسة وصلت إلى مرحلة متقدمة وشهرة واسعة وعندما زارها الملك عبدالعزيز عام (1349هـ) بدعوة من الشيخ القصيبي أعجب بأصالة مناهجها ومستوى طلابها أيما إعجاب.
 
ثالثاً: التعليم العالي:
مر التعليم العالي في المملكة العربية السعودية بفترتين، منفصلتين زمنياً ومتداخلتين منهجياً. الفترة الأولى، تمثلها حلقات كبار العلماء في المساجد ومنازلهم. والفترة الثانية، وتمثلها الجامعات الحديثة. ومع الاختلاف بين صيغتي التعليم تلك، إلاّ أن أوجه الشبة تشجع على المقاربة بينهما. إلا أن الأمر الهام الذي يمس بحثنا وهو دعم الوقوف للتعليم العالي، نجد في شأنه افتراق بين نظام الحلقات والجامعات، حيث تمدنا الشواهد التاريخية أن الوقف كان له الريادة في تمويل حلقات المساجد والأربطة العلمية، في حين أن هذه الريادة تراجعت في عهد التعليم الجامعي. ولإيضاح ما سبق نضرب مثالاً واحداً على دعم الوقف لنظام حلقات العلم في المساجد:
 
رباط الإخوان العلمي:
يمثل مرحلة التعليم العالي (قبل التعليم الجامعي) ما عرف في الرياض باسم رباط الأخوان أو بيوت الأخوان، وفي هذا النموذج يتجلى دور الوقف في دعم الحركة العلمية في المجتمع السعودي في النصف الثاني من (القرن 14هـ) حيث كان طلبة العلم يفدون إلى العاصمة الرياض، وقد نهض الملك عبد العزيز آل سعود (المؤسس) في خدمة هؤلاء الطلبة الوافدين فأوقف الأوقاف لهم مما حفز القادرين من الأهالي لفعل فعله.
 
كان التعليم العالي في الرياض في منتصف القرن الماضي (14هـ)، يسير وفق (نظام الحجرات)، حيث كان الطلبة يلتحقون - أولاً - بحلقات العلماء، التي تقام في المساجد الكبرى كمرحله علمية أولية، وحينما يرتقي طالب العلم يلتحق بحلقات علمية متقدمة، ويكون مقر تلك المرحلة المتقدمة ما يسمى بالحجرات، وهي غرف ملحقة ببعض المساجد يدرس فيها الطلاب علوماً شرعية متقدمة، ومن تلك المساجد التي تتبع نظام الحجرات في مدينة الرياض: -
 
1- مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم، ويتبعه حجرتان (جنوبية وشمالية).
 
2 - مسجد الجفرة في دخنة، و يتبعة حجرة واحدة.
 
3 - مسجد النعيمي، و يتبعة حجرتان.
 
ولأن الطلبة حسب نظام الحجرات فيهم صغار الطلبة وكبار الطلبة فقد خصصت أوقاف خاصة لمجموعتي الطلبة.
 
رباط دخنة: (وقف على صغار الطلبة)
بالنسبة لصغار الطلبة فقد خصص لهم وقف (سكني تجاري) في حي دخنة، وهو عبارة عن رواق طيني مكون من دورين، الأرضي منهما جعل محلات تجارية، وخصص ريعها لصالح الوقف وطلبة العلم فيه، والدور العلوي من ذلك الرباط جعل على هيئة غرف سكنية للطلبة وهي في حدود (40 غرفة) يسكن كلّ غرفة منها من طالبين إلى ست طلبة. ويسمى هذا الرواق (رباط دخنة) وقد أقيم بعُيد عام (1360هـ) وأزيل عام (1374هـ).
 
بيوت الإخوان: (وقف على كبار الطلبة):
خصصت بيوت الإخوان الوقفية، لكبار طلبة نظام الحجرات، وقد زاد عددها مع توافد طلبة العلم حتى بلغ عددها (من 40 إلى 50 بيتاً)، وإلى جانب خدمة السكن التي يوفرها الوقف لطلبة العلم أولئك فقد أمن لهم كذلك، نفقة الجيب، والطعام، والكتب، والكسوة.
 
أوقاف الرباط:
1- المحلات التجارية الوقفية التي كانت تؤجر في رواق دخنة.
 
2- الأوقاف الزراعية الموقوفة على طلبة العلم في مدينة الرياض.
 
3- البيوت والغرف السكنية - السابق ذكرها - المخصصة للنزلاء من طلبة العلم الغرباء.
 
وكانت جميع تلك الأوقاف موكول نظرها إلى الشيخ (محمد بن إبراهيم آل الشيخ) أشهر أصحاب الحلقات العلمية تلك.
 
رابعاً: المكتبات الوقفية:
يكاد الحديث عن المكتبات الوقفية يتداخل بالحديث عن الكتب الوقفية (المفردة). ومنشأ هذا أن المكتبات الوقفية القائمة الآن في بلادنا تكونت من ثلاث روافد أساسية:
 
1- الكتب المفردة.
 
2- المجموعات الخاصة.
 
3- المكتبات الكاملة.
 
وقد ساهم العلماء والأمراء والتجار والعامة في وقف الكتب التي شكلت بدورها نواة لكثير من المكتبات الوقفية المنتشرة في المملكة، وقد يكون وقف تلك الكتب وقفاً خيرياً ذا نفع عام لطلبة العلم، وقد يكون وقفاً أهلياً (ذرياً) لذرية الموقف، وبعض الموقفين يوقف الكتاب بعد أن يقوم بنسخه لغرض إيقافه، أو يأمر بطباعته وتوزيعه بكميات وقفية كثيرة، وبعض العلماء يوقف كتابه بعد أن ينتهي من تأليفه، وإليك نموذج واحد من تلك المكتبات الوقفية:
 
مكتبة بريدة العامة:
أنشأت هذه المكتبة عام (1350هـ) بفضل تبرعات أعيان بريدة بالكتب والأموال ووقف الكتب فيها، وفي السابق كانت تحت ولاية القاضي الشيخ عبد الله بن حميد (ت: 1402هـ) وكان يلقي فيها دروسه العلمية، وقد اجتهد ذلك الشيخ في تخصيص مبنى حديث ومستقل، وبعد عقودٍ من نشأتها آلت شؤونها إلى وزارة المعارف، حيث أعلنتها مكتبة عامة تابعة للوزارة. وقد جاء دعم الوقف لهذه المكتبة بآثار صالحة من أبرزها:
 
الكتب الموقوفة الكثيرة التي تضمها المكتبة، والتي أوقفها علماء وأعيان بريدة منذ نشأتها.
 
أعطى الوقف للمكتبة استقلالية شرعية ومرونة إدارية أفادها كثيراً.
 
دعمها المادي بالأموال لإقامة المبنى المناسب لها وصيانته وصيانة الكتب التي تكتنفها المكتبة.
 
ساعدت كتبها الوقفية أن أصبح الإطلاع والبحث فيها متاحاً للجميع تحقيق رغبة موقفيها.
 
المطلب الثالث: واقع العلاقة بين التعليم والوقف في المملكة وعقباته
واقع العلاقة المعاصرة:
إن واقع العلاقة اليوم بين الوقف ومؤسسات التعليم في المملكة العربية السعودية يحمل الكثير من السلبيات والإيجابيات وحديثنا عن هذه العلاقة هو فرع من أصلٍ لمشكلة أكبر وهي معاناة الوقف بذاته كمشروع إسلامي حضاري، ومما يعزز تلك العقبات ويثيرها هو ذلك العزوف المستشري عن وقف الأوقاف ذات الوظيفة التعليمية والتربوية وهذا الانحسار لدور الوقف التعليمي في مجتمعنا السعودي جاء لعوامل عدة من أهمها:
 
يندرج ضعف الوقف في مجتمعنا في إطار حالة ضعف عامة تمر بها الأمة الإسلامية روحياً ومادياً.
 
جاء ضعف دور الوقف في مجتمعنا كنتيجة لعدم الجدية في تطبيق الإسلام كشريعة وسلوك في حياتنا.
 
اعتقاد البعض أن الوقف لا يكون إلا في أمرٍ تعبدي صرف، وأنه ليس وارداً في تمويل مؤسسات تعليمية وأنشطتها.
 
تسرب بعض الأفكار الاقتصادية الدخيلة إلى مجتمعنا والتي يروج أصحابها لدعاية مضادة لمشروع الوقف الخيري، ويطرحون أمامه الشبهات حول دوره الإيجابي زاعمين أن الوقف يشجع على البطالة ويقلل من الإنتاجية المادية والبشرية، ويرون أنه عائق عن التحديث والتقدم المدني للمجتمع.
 
يظن الكثير أن الوقف هو مسئولية دائرة حكومية عليها واجبات منوطة بها، فلا مكان للمشاركة الأهلية بالمساهمة الخيرية بوقف الأوقاف.
 
طغيان الثراء المادي في حياة المجتمع السعودي الذي أفرزته الطفرة النفطية قلل الإحساس بأهمية ودور الوقف في سد حاجة المحتاجين، والتقليل من دوره في النهوض بالمجتمع ومؤسساته التعليمية.
 
اهتزاز ثقة كثير من الموسرين بجدوى الوقف، نظراً لسوء إدارة و ضعف متابعته فدخل الوقف في دائرة الروتين الإداري والبرود الوظيفي، فتحول الإشراف عليه إلى وظيفة بدل أن يكون رسالة، وهو أمر بالغ الخطورة لما يشكله هذا من عامل طرد للقادرين والراغبين في إيقاف أملاكهم على مصالح التعليم.
 
اتجاه كثير من الأثرياء ومحبي الخير، لدفع معونات مالية وتبرعات عينية مقطوعة للجهات الخيرية لا تتمتع بالخصائص التي للوقف من حيث الاستمرارية والقابلية للنماء. لأنها تذهب بذهاب مسديها أو عجزهم.
 
إن الكثير من الموقفين يكتفون بوقف العين ولا يبنون أوقافاً لصالحه لتدر عليه ريعاً يضمن له الاستمرار والاستقلال ويحفظه من الاندثار.
 
العــــقـبـات
أولاً: تواجه المؤسسات التعليمية الوقفية الآن كجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، إشكاليتين شرعيتين غير محسومتين:
 
الإشكالية الأولى: مدى إمكانية الاستفادة من أصول أو ريع الأوقاف القديمة على الكتاتيب على اعتبار أن حلقات التحفيظ القرآنية الخيرية هي الخلف الشرعي لتلك الكتاتيب فهي أحق بها.
 
والإشكالية الثانية: أن تلك الجمعيات تجتهد وتقيم مشروعات وقفية خاصة بها لخدمة أغراضها مما تجمعه من تبرعات مالية ضخمة (منقولة أو ثابتة) ولكن هذه المشاريع لا تسجلها بعض تلك الجمعيات على أنها وقف، بل تجعلها ملكاً خاصاً بالجمعية ليسهل التصرف بها وسبب ذلك أن تحويلها إلى وقف شرعي يعرقل التصرف بها باستقلاله ومرونة.
 
ثانياً: ومن العقبات الشرعية التي تواجه العلاقة بين الوقف ومؤسسات التعليم والثقافة ضياع الأوقاف التعليمية القديمة واضمحلالها وضعف الاستفادة منها وذلك لعوامل عدة نذكرها بإيجاز:
 
* فقدان حجج هذه الأوقاف أو تلفها مع طول العهد وتقادم الزمن بسبب الإهمال وضعف التوثيق.
 
* عدم الالتفات إلى الأوقاف التعليمية الدامرة و محاولة إحيائها.
 
* قلة مقادير ريع بعض الأوقاف التعليمية القديمة وتواضع مبالغها بالنسبة لعصرنا، مما يجعل الريع لا يفي بالغرض المادي إلا بعد سنوات من جمعه وهذا مما يغري بإهماله.
 
دمرت كثير من الأوقاف عندما اجتاح التحديث العمراني مدننا وقرانا دون استـئذان فجرفت الآلات مع ما جرفت الأوقاف القديمة.
 
ثالثاً: استحداث مصادر مطورة للأوقاف، ومن تلك الوسائل التي يدور حولها ذلك الجدل، هي جعل أموال الوقف التعليمي أسهماً مشاعة في شركة مساهمة بهدف استثمار ريع الوقف التعليمي وتنميته، ويعترض البعض على هذه الفكرة اعتراضاً شرعياً فشركات المساهمة قابلة للربح والخسارة، وكذلك يمكن لهذا الشكل من الاستثمار فتح باب من أبواب التلاعب بالأوقاف واستحلالها أو ربما ضياعها واضمحلالها.
 
رابعاً: رغم التاريخ الطويل للمكتبات الخيرية الوقفية في بلادنا، فإنها تواجه واقعاً لا يخلو من المكدرات، ومستقبلاً لم تتضح رؤيته بعد يبرز في الآتي:
 
* ضعف الإقبال على إيقاف المكتبات الخيرية العامة والخاصة، فعامة الناس يمنعهم من وقفها قلة الوعي بأهمية دورها الثقافي ودور الوقف في دعمها مادياً.
 
* يعد تبني الدولة للمكتبات مظهر حضاري، ولكنه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث يضعف هذا إحساس أفراد المجتمع بالحاجة إلى وقف المكتبات أن الدولة تقوم بذلك، أضف إلى ذلك أن أسلوب الإشراف الحكومي عليها يعتريه بعض الخلل فبعض المكتبات تفتقر إلى الكثير من التجهيزات والأنظمة الحديثة والمتخصصين المؤهلين.
 
* تسلط مشرفي تلك المكتبات ومنعهم الراغبين في الإطلاع والبحث من التسهيلات الواجب عليهم توفيرها لهم، حسب ما يوافق رغبة وشروط الواقف. وهذا على ما فيه من مخالفة لشروط الوقف الشرعية فيه أيضاً مخالفة للروح الكريمة المحبة للخير وبذل العلم والمعروف.
 
* إحجام الناس عن القراءة والمطالعة، يشكل عاملاً للإحجام عن وقف المكتبات، لأنه يرى عزوفاً عن المعرفة، وزهداً بالعلم من قطاع عريض من المجتمع، في حين أن وقف المكتبات يساعد في تحبيب الناس للقراءة والبحث.
 
خامساً: يعترض تنظيم الوقف على التعليم في المملكة وفق رؤية شرعية عصرية مناسبة فعّالة عدة عقبات منها:
 
1- الحساسية المفرطة التي تقف أمام أي تحديث لنظام الوقف قد يرى البعض (خطأً) أن المقصود به هو القفز على أحكام الوقف الشرعية وتجاوزها.
 
2- الوفاء للأساليب والأنظمة القديمة والاعتقاد أنها مناسبة وكافية.
 
3- ضعف استجابة الرأي العام ومؤسساته (غالباً) لأي حركة تغيير ذات مطلب ملح.
 
سادساً: ضعف الوعي لدى المجتمع السعودي بأهمية الوقف الخيري على المؤسسات التعليمية فالناس لا يرون الوقف من أموالهم إلا على مشاريع تعبدية محضة كالمساجد ويغيب عن أفهامهم أن الوقف على نشر العلم والمعرفة يحقق مفهوم العبادة الشامل. كالوقف على تحفيظ القرآن الكريم أو المكتبات العامة و المكتبات المدرسية والمدارس، أو الوقف على البحث العلمي، وهذا اللاوعي يكرسه الاقتصار الجهات المسئولة عن الأوقاف خيرية كانت أو حكومية في أنشطتها على مجالات وقفية تقليدية غير متجددة.
 
سابعاً: أما العقبات التي تعترض التمويل الوقفي لمؤسسات التعليم ولأنشطة المساندة فتتمثل في الآتي:
 
* تأجيل المحاكم للبت في تحويل أصول أو ريع الأوقاف الخاصة بالكتاتيب (قديماً) لصالح حلقات تحفيظ كتاب الله في المساجد، مما يحرم أو يؤجل لفترة طويلة تمتع تلك الجمعيات بهذه الأصول الوقفية أو ريعها.
 
* ضآلة مقدار ريع الأوقاف القديمة على الأنشطة التعليمية، مما يجعلها لا تفي بالغرض الموقوفة عليه في هذه الأيام إلا بعد جمعها لسنوات عدة.
 
* إحجام الموسرين عن وقف الأوقاف لصالح مؤسسات التعليم لقلة وعيهم بما للوقف من أهمية في مساندة تلك المؤسسات في استمرارها في أداء رسالتها.
 
* اقتصار المساهمة الشعبية في دعم المؤسسات التعليمية وأنشطتها على التبرعات المتواضعة المقطوعة، والتي تبقى عرضة للتناقص أو التوقف، على خلاف ما يضمنه الوقف من تمويل مستمر قابل للنماء والزيادة.
 
* مساهمة الوقف لمعالجة الحاجات الاقتصادية الفردية وقصوره في تمويله للمجالات الخيرية العامة كالوقف على المؤسسات التعليمية ذات النفع العام كالمدارس والمكتبات ومراكز البحث العلمي وبرامجها المساندة.
 
* ثراء الدولة وسيولتها المالية في سنوات الطفرة النفطية مكنها من الإنفاق بسخاء على المشاريع التعليمية والتربوية، إلا أنه جاء مثبطاً للمشاركة الأهلية في المجالات التعليمية والبرامج التربوية.
 
* توجيه كثير من أهل الخير صدقاتهم وزكوات أموالهم إلى مشاريع خيرية وقفية خارج البلاد ظناً منهم أن البلاد الإسلامية الأخرى أحوج إلى مثل تلك المشاريع من حاجة المجتمع السعودي إليها.
 
تعاني بعض المؤسسات الخيرية التعليمية كجمعيات تحفيظ القرآن الكريم من صعوبة خلق توازن بين مواردها الوقفية القليلة جداً وبين ما تقدمه من خدمات خيرية جليلة وواسعة النطاق، ويتضح الأمر أكثر عندما نأخذ معاناة الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمنطقة الشرقية مادياً (مثالاً) على ما تعانيه كثيرٌ من جمعيات التحفيظ القرآنية الأخرى في بلادنا، فالجمعية من خلال استبيان تحريري وجه لها من قبل الباحث، أفادت أن النسبة التي يمثلها التمويل الوقفي من ميزانيتها ضئيلة بحيث لا تتجاوز (5 %)، مع أنه ينتظم في حلقات الجمعية القرآنية ما يفوق (23000) دارس، و يدرس في فصولها (20000) دارسة. فأين يمكن لهذه الجمعية أو غيرها القدرة على إيجاد توازن بين قلة ريع أوقافها وضعف ميزانياتها، وبين ضخامة ما تقوم به من دور عظيم في تحفيظ ونشر تعليم كتاب الله الكريم لأبناء المجتمع وما تقدمه من خدمات خيرية لولا إيجاد مصادر أخرى خيرية من التبرعات النقدية والعينية التي يتم جمعها عن طريق حملات التبرع التي تنظمها تلك الجمعيات بين فترة وأخرى.
 
تعاني مؤسسات التعليم من أن واقفيها لا يخصصون لها أوقافاً من أملاكهم لأن الوقف الخدمي يحتاج إلى وقف ريعي، فلا تستطيع المدرسة الوقفية - مثلاً - أن تؤدي دورها و خدماتها المجانية لطلاب العلم فيها إذا لم يكن قد بنى لها أوقافاً ذات ريع وفير تصرف منه للاستمرار في ذلك الدور وتوفير تلك الخدمات.
 
المطلب الرابع: التوصيات وعوامل نجاحها
عوامل النجاح:
إننا اليوم أمام تحدٍ حقيقي لمستجدات تقنية، ومتغيرات اجتماعية تعصف بالحياة من حولنا، فالاقتصاد تعصره الأزمات، والمعارف تتفجر تفجراً يهدد مؤسساتها التقليدية بالانقراض إذا لم تساير ذلك التطور وتجاري ذلك التغير.
 
ولا ضمان لحماية ذلك المجتمع أمام هذه التغيرات إلا بالعودة إلى المنهج الرباني، والأخذ بالأصول الحضارية لإسلامنا وأسلافنا والتي يأتي الوقف أحد ركائزها بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية ولكن الوقف لا يؤتي ثماره إذا لم يسر وفق نظام شرعي مطور خاص به.
 
قبل ذكر التوصيات المقترحة للعلاج نود التعرف على العوامل الواقعية المشجعة على إيجاد جو مناسب وصحي في المجتمع السعودي لتفعيل الدور المستقبلي للوقف الخيري في مجال التربية والتعليم:
 
التزام المجتمع السعودي بالشريعة الإسلامية عقيدةً وشريعةً وسلوكاً ونظاماً، والتبرؤ من كل دخيل عليها من تيارات الأفكار العلمانية ومن ذلك أن الدولة تبنت منذ قيامها النظم الوقفية المستمدة من تلك الشريعة كمصدر شرعي وحيد.
 
الصحوة الدينية التي تعم المجتمع السعودي بجميع فئاته،وأنشطته خاصة منها التربوية والتعليمية والتي من مظاهرها إحياء (الكتاتيب) بما يعرف اليوم بحلقات تحفيظ القرآن الخيرية، الاعتناء بالمكتبات والمدارس الوقفية.
 
إننا نعيش في خضم حياة عصرية متغيرة ومتداخلة تمس جوهر حياتنا خاصة الجانب الأخلاقي و الاجتماعي منها وكذلك الجانب الاقتصادي الذي له تأثير وتأثر بالغ بالجانبين السابقين سلباً أو إيجاباً. لذا يأتي دور الوقف كمشروع اقتصادي واجتماعي وأخلاقي لتصحيح سلوكيات المجتمع وحلاً لأزماته المتنوعة، وإعادته إلى أصول دينه وأمجاد حضارته. ويأتي الوقف الخيري على المؤسسات التعليمية في المجتمع السعودي مؤهلاً ليمارس ذلك الواجب التصحيحي، وليحمي المجتمع من الأمراض الاجتماعية العصرية ويعينه على مواجهة التحديات الحضارية.
 
اتساع الثراء في المجتمع السعودي مما يؤهل أفراده ومؤسساته الخاصة مادياً للمساهمة الوقفية لتنفيذ الخطط التنموية في مجالات التعليم وبناء مؤسساته وتخصيص الأوقاف لصالحها، خاصة إذا تم تعريض الموسرين والقادرين لحملة توعية منهجية.
 
يأتي النسيج الاجتماعي المتلاحم للشعب السعودي عاملاً مساعداً إلى حد كبير في توفير بيئة اجتماعية نظيفة وصالحة لوقف الأوقاف على المؤسسات التعليمية وأنشطتها التربوية وبرامجها المساندة.
 
تنامي إحساس القيادة السياسية والإدارية في المملكة العربية السعودية بضرورة وأهمية المشاركة الشعبية في تنفيذ مشاريع الخطط التنموية في مجال التعليم، وهنا يأتي الوقف كأنسب السبل الاقتصادية والشرعية لتحقيق هذه المشاركة المدنية لتطوير المجتمع وخدمته في إحدى أهم المجالات الحيوية، وهو مجال التعليم.
 
تعرض الاقتصاد السعودي لهزات اقتصادية في السنوات الأخيرة تبعاً لغيره من الاقتصاديات العالمية الأخرى، نتيجة لعوامل خارجية كثيرة لعل أبرزها هو انخفاض المداخيل النفطية، مما ألجأ الدولة إلى سياسة الترشيد. والتي ستؤثر مستقبلاً على مستوى الخدمات العامة والتي منها التعليم التي يقدمها القطاع العام، وهنا يأتي الوقف التعليمي كمشروع اقتصادي حضاري منقذ من تلك الضائقة الاقتصادية، خصوصاً وهو يتجاوب بانسجام تام مع أفكار ومشاريع الخصخصة، كما أن الوقف يحمي الدولة والمجتمع من تفاقم مشكلتي البطالة والفقر، وما يخرج من رحمهما من أمراض اجتماعية وانحرافات سلوكية خطيرة.
 
التــــــــوصيـــــــــات
إن إعادة تأهيل دور فعال للوقف في المجتمع يتطلب توفير بيئة إسلامية إيمانية صالحة بكل أبعادها الفردية والجماعية ومناسبة بجميع مؤسساتها التعليمية، والثقافية، والإعلامية، والاجتماعية ليتم تحقيق الإيمان والصدق، ويتم زرع قيم التكافل الاجتماعي إيمانياً وعملياً.
 
1- إقرار نظام شرعي مقنن للوقف التعليمي برؤية شرعية مناسبة للواقع المعاصر سواءً في الأحكام التفصيلية أو الأساليب الإدارية أو الوسائل الاقتصادية النافعة للوقف عينه وريعه، وذلك بالرجوع إلى المصادر الفقهية المعتبرة والنماذج التاريخية، مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجات الآنية والمستقبلية للأمة ومراعاة المعطيات الحديثة للمستجدات العصرية والوصول بعد هذا إلى صياغة ما ننشده من تشريع مقنن وفعّال للوقف، وهي خطوة ضرورية لوقاية الوقف من تفكك نظامه وتلاشي دوره الواقعي في المجتمع، ولنفوت بذلك الفرصة على المغرضين من أعداء الأمة الذين سبق لهم أن حصلوا عليها في بعض البلاد الإسلامية الأخرى فأماتوا الأوقاف في بلادهم وهمشوها فوقعوا فيما يحذرون منه حيث زادت المشاكل الاقتصادية كالفقر والبطالة واستفحلت معها العديد من المشاكل الاجتماعية.
 
2- وضع خطة لتوعية منهجية عامة تهدف إلى بيان أهمية الوقف وإبراز دوره في المجتمع، على أن تتظافر كافة جهود المؤسسات الوقفية التعليمية منها والخيرية مع جهود المؤسسات التربوية المؤثرة في المجتمع كالمسجد والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، وذلك عن طريق بث حملات التوعية المنهجية والمنظمة بعد صياغة أهدافها بدقة وتحديد وسائلها وأساليبها، الوصول بالمجتمع إلى قناعة ذاتية بأهمية بناء الأوقاف لصالح المؤسسات التعليمية وبرامجها التربوية، وذلك من خلال مساهمة القطاع الخاص، ولتحقيق أكبر قدر من أهداف هذه الحملات التوعوية نقترح بعض الوسائل المساندة التي تستطيع تلك الحملات ترويج أفكارها من خلالها، مثل:
 
3- تضمين عنصر ديني تربوي في مفردات مناهج العلوم الشرعية والاجتماعية في مقررات التعليم العام عن فضل الوقف شرعياً، وأهميته اجتماعياً، ودوره تاريخياً، وضرورته عصرياً.
 
4- إقامة الجهات التعليمية المحاضرات وتنظيم الندوات، التي تناقش وتبرز دور الوقف التعليمي في تنمية المجتمع ورقي الأمة وتقدمها، وتطرح أفكاراً عملية ميسرة لكيفية تمكين المشاركة الجماهيرية في مجال الوقف التعليمي.
 
5- استغلال وسائل الإعلام بمختلف أشكالها لترغيب الجماهير وتوعيتهم للمشاركة في وقف الأوقاف.
 
6- استهداف ذوي اليسار من المسلمين، وتركيز الجهود لإقناعهم بأهمية الوقف الخيري على مؤسسات التعليم العام.
 
7- تحويل الأوقاف القديمة القائمة لما يناسب شروط واقفيها من أنشطة تعليمية وثقافية معاصرة موافقة لها في الغرض بعد الاستشارة الشرعية من حيث تطابق الأغراض والصور الوقفية ومن حيث جواز إمكانية نقل الوقف.
 
8- أخذ رأي علماء الشريعة في جواز صرف (سهم الفقراء)، و(سهم في سبيل الله) من الزكاة كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ.... الآية﴾ (التوبة /60) على إنشاء مؤسسات تعليمية للفقراء والمساكين المحتاجين، أو تحمل نفقات دراساتهم من ريع الأوقاف التي تبنى من سهم الفقراء والمساكين الذي فرضه الله لهم من الزكاة على اعتبار أن لهم الحق الكامل في الاستفادة من سهمهم بأي وجه ينفعهم، ودعم طلب العلم وأهله وكتبه من سهم في (سبيل الله)، على اعتبار أن مفهوم سبيل الله واسع يشمل طلب العلم والدعوة، كنوع من الجهاد في سبيل الله. (انظر ملحق الفتاوى)
 
9- استغلال ما في الاقتصاد الإسلامي من أحكام المعاملات لتمويل الوقف التعليمي ذاتياً من خلال عدة صور منها:
 
- الاستبدال: والمقصود به استبدال عقار وقفي عن طريق البيع والشراء ولكن وفق معايير محددة هي:
 
أ - بيع جزء من الوقف لتعمير جزء آخر من نفس الوقف.
 
ب- أن يكون الاستبدال لصالح الجهة السابقة المستفيدة من الوقف.
 
جـ- بيع وقف لتعمير آخر يتفق معه من حيث الانتفاع.
 
د - أن يكون البدل أفضل من حيث المواصفات والريع.
 
- الاحتكار: وهو تأجير عقار وقفي يحتاج إلى تثمير لطرف آخر حيث يقوم باستثماره بعد أن يدفع قيمة العقار كاملة، بالإضافة إلى دفع أجر رمزي سنوي بهدف ضمان بقاء الوقف سارياً، ولكنه يعد في ملك الطرف المستثمر وينتقل بنفس هذه الصورة إلى الورثة، وتقوم إدارة الوقف ببناء وقف جديد بذلك المبلغ المعجل الذي دفعه المستثمر.
 
- الإيجارتين: هذه الصورة تشبه الصورة السابقة، ولكنها تختلف عنها في أن المبلغ المعجل المساوي لقيمة عقار الوقف يستغل في ترميم و إصلاح ذلك العقار نفسه.
 
- المـرصد: تأذن إدارة الوقف بتأجير العقار الوقفي وليكن أرضاً - مثلاً - على طرف آخر ليقيم عليها بناء وتعتبر قيمة البناء ديناً على إدارة الوقف يستوفيه المستأجر بالتقسيط من أجرة الوقف، على أن تبقى ملكية البناء للوقف، و إعطاء المستأجر حق التصرف في الوقف وتوريثه لحق التصرف والانتفاع فقط.
 
10- حصر الأوقاف الموقوفة على مؤسسات التعليم - القديم منها والجديد - وتوثيقها شرعاً، وتحديد شروط الواقفين ورغبتهم، تمهيداً لاستغلالها وتثميرها بالوسائل المناسبة، واستحداث أوقاف على تلك المؤسسات القائمة جديدة لزيادة ريعها.
 
11- وضع ريع الأوقاف القديمة الدامرة والحية الموقوفة على أنشطة تعليمية، أسهماً في شركات استثمارية وذلك لتنميتها وإنمائها والاستفادة من أرباحها، ومرد ذلك إلى أن البعض يذهب إلى أن من أسباب اندثار الوقف المركزية في إدارته وعدم توفر جهة رقابية وعدم التنسيق والتعاون بين الجهات المختصة للكشف عن الأوقاف الضائعة، والسلبيات السابقة تختفي في وضع الشركات المساهمة التي لها جهاز رقابي صارم يتمثل في أربع صيغ، الصيغة الأولى هي (الجمعية العمومية) التي تمثل المستفيدين من الوقف، والصيغة الثانية (مجلس الإدارة) المنتخب من الجمعية العمومية، والثالثة (جهاز المحاسبة القانونية)، والرابعة (نشر الميزانية العمومية) على الجمهور وعلى ضوء ذلك يقترح أن توضع أموال الوقف التعليمي في مثل تلك الشركات المساهمة ضماناً لها من الاندثار والضياع كما ضاعت أوقاف تعليمية كثيرة. ومن ذلك تجربة شركة مكة للإنشاء والتعمير في إحياء الأوقاف التعليمية الدامرة في أو تلك التي لا تدر إلا ريعاً ضئيلاً، وكيف أن أرباحها تضاعفت عندما أودعت على هيئة أسهم في تلك الشركة.
 
12- أن تسعى المؤسسات التعليمية إلى إقامة مشاريع عقارية (سكنية أو تجارية) بأموال التبرعات والمساهمات النقدية أو العقارية التي ترد إليها من أهل الخير على أن تسجل هذه المشاريع على أنها أوقاف شرعية مع تحديد الجهة المستفيدة منه والغرض الذي أوقف الوقف من أجله وهذه الصيغة الشرعية ستمكن ريع الوقف من الاستمرار وتحميه من الضياع أو الاعتداء عليه مستقبلاً.
 
13- ابتكار وسائل اقتصادية عصرية، كتثمير ريع أموال الوقف التعليمي في مجال الإعلانات التجارية، ولكن تحت شروط مرعية وضوابط شرعية، أي أن يتم البعد عن الإغراء أو الكذب أو الترويج لمحرم شرعاً لأن الوقف عمل تعبدي والله طيب لا يقبل إلا طيباً. وتنفيذ هذه الفكرة قد يأتي من استغلال المساحات الصالحة للإعلان التابعة لإحدى المؤسسات التعليمية الوقفية على مدارسها وعقاراتها ومقارها الأخرى ونشراتها أو على ما تطبعه من كتب أو ما تصدره من مجلات، أو على مواقع الإنترنت.
 
14- تأسيس مجلس أهلي للأوقاف التعليمية يكون أعضاؤه من الموقفين أنفسهم أو وكلاؤهم، على أن يضم ممثلين لجهة الإشراف العليا الشرعية على الأوقاف والجهة التعليمية المستفيدة من الوقف، وتكون مهمته الإشراف على المؤسسات الوقفية التعليمية التربوية وإدارة أوقافها والذي تتلخص مهامه في:
 
- المتابعة والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة بشؤون الوقف.
 
- ابتكار وسائل وأساليب مفيدة لما تحققه من غبطة للوقف.
 
- تقديم المشورة والنصح الشرعي والفني للموقفين.
 
- محاسبة مشرفي الوقفيات التعليمية في النواحي المالية ومن مدى تحقيقهم لشروط ورغبة الواقفين.
 
وذلك من خلال الجمعية العمومية التي يشترك في عضويتها كافة الموقفين،والتي تنتخب بدورها مجلس الأمناء، والذي يدير مجموعة من الهيئات التابعة للمجلس:
 
- الهيئة الشرعية: و مهمتها التشريع وإصدار الأنظمة.
 
- الهيئة الاستشارية: و مهمتها تقديم الفتاوى في الاقتصاد الشرعي، و إعداد دراسات الجدوى.
 
- الهيئة المالية: ومهمتها المحاسبة والتدقيق المالي للموارد والمصروفات.
 
- هيئة المشاريع: و مهمتها متابعة المشاريع الوقفية فنياً وميدانياً.
 
- هيئة المتابعة والتنسيق: و مهمتها متابعة التنسيق مع الجهات ذات العلاقة بالعمل الوقفي.
 
15- وضع خطة تنسيق عالي الدقة بين المؤسسات الوقفية التعليمية و الجهات المختصة بشؤون الأوقاف الخيرية، وتعزيز التعاون بينها في مجالات الاستشارة، وتبادل المعلومات حول حصر الأوقاف وتوثيقها، والتنسيق لتوزيع مهام الإشراف بينها لتلافي الازدواجية والتداخل الوظيفي.
 
16- تأسيس مركز مستقل لدراسات وأبحاث الوقف التعليمي، والهدف من إنشاء هذا المركز هو تقديم الدراسات الوقفية وطرح أفكار حيوية لمشاريع الوقف، ويأتي ذلك ضمن سياسة تشجيعية مثمرة لتشجيع الصيغ الوقفية، و إعادة الثقة إلى نظام الوقف برمته، ودعماً للمجال المشترك بين الدولة والمجتمع ونستطيع تحقيق تلك الأهداف من خلال الوسائل التالية:
 
17- التعرف على النماذج التاريخية والخبرة والتجارب العملية في مجال الوقف الخيري لصالح التعليم لدى المجتمعات الإسلامية الأخرى واقتباس ما يناسب تطبيقه ميدانياً.
 
18- استجلاء رأي الخبراء الاقتصاديين والتربويين وعلماء الشريعة عند وضع الأنظمة واللوائح أو تطبيق وسائل اقتصادية تهدف إلى تنمية الأوقاف التعليمية، ولعل ذلك يتم عن طريق إقامة الندوات واللقاءات التي تخدم هذا الغرض.
 
19- تشجيع الدراسات المنهجية والبحوث الجامعية التي تتناول جانب الوقف على التعليم من خلال دوره المعرفي، وأثره الاجتماعي، وفوائده المستقبلية على الأمة، مع وضع حوافز مادية وجوائز تشجيعية لمثل هذه الدراسات والبحوث، والاحتفاء بما تفرزه من نتائج وتوصيات، واقتباس المناسب منها للنظر في إمكانية تطبيقه.
 
20- إقامة مكتب استشاري يقدم استشارات شرعية وقانونية في مجالات الوقف التعليمي بهدف تنشيطه وإعادة تأهيله في المجتمع والقيام بدراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع الوقفية التعليمية والتربوية.
 
21- إقرار وزارة المعارف لآلية تنظم مشاركة الأهالي للمساهمة في الوقف الخيري على المكتبات المدرسية في المدارس التابعة لها وذلك بوقف الكتب والتجهيزات على المكتبة، وحث الطلاب لوقف الكتب المفردة على مكتبة مدرستهم لتعويدهم على وقف الأوقاف الخيرية.
 
22- تطرح وزارة المعارف ما يمكن أن نسميه مشروع (الوقف المدرسي) حيث يتم تحديد رأس مال معين ثم يتم طرح أسهم وقفية بقيم متعددة على الطلاب وذويهم عن طريق إدارة المدرسة، وبعد جمع رأس المال يتم تشغيله بعدة وسائل اقتصادية تضمن له ريعاً ثابتاً، كأن يوضع جزء منه في المقصف المدرسي التعاوني، أو يوضع في عقار استثماري، أوفي شركة مساهمة، على أن يبقى جزء آخر منه لمباشرة الخدمات التي تحتاجها المدرسة، ويخصص ريع الجزء الأول للإنفاق على ذوي الحاجات الماسة من الطلاب وعلى الأنشطة المدرسية وتجهيزاتها. ولمراقبة عمل هذه الوقفية يجب أن يشرف عليها مجلس أهلي من ساكني الحي للإشراف والمتابعة والمحاسبة، على أن يضم في عضويته عضو ممثل للمنطقة التعليمية التي تتبع لها المدرسة.
 
وبهذه الخطوة العملية في البيئة المدرسية نكون قد جنينا عدة فوائد منها:
 
- تقديم المساعدة المالية والعينية للطلاب المحتاجين وذويهم.
 
- تربية النشء وتعويدهم على الإنفاق في أوجه الخير والعمل التطوعي.
 
- تنمية الروح الجماعية لدى الطلاب وتوعيتهم بأهمية الوقف اجتماعياً لما يلمسونه من أثره في حياتهم المدرسية.
 
- توفير أكبر قدر من الضروريات والخدمات لصالح طلاب المدرسة مما يخدم العملية التربوية.
 
- تقديم البيئة المدرسية الوقفية مثالاً تطبيقياً عملياً لأثر الوقف في المجتمع.
 
- جعل المدرسة بالنسبة للحي الذي تقع فيه مركزاً اجتماعياً وثقافياً يمارس فيه أهل الحي - خاصة الشباب منهم - أنشطة ثقافية، وتعليمية، ورياضية وذلك خارج ساعات الدوام الرسمي، على أن يتولى القطاع الخاص تنفيذ هذا المشروع التربوي, ولكي تزداد الفكرة إشراقاً فيمكن للقطاع الخاص الدخول إلى تنفيذ هذا المشروع من باب الوقف الخيري، حيث يبني المشاريع العقارية الوقفية لصالح ذلك المشروع الذي يقدم خدماته من ريع تلك الأوقاف. وهذه الفكرة تأتي متسقة مع دعوة أطلقها وزير المعارف قبل سنوات قليلة بضرورة أن يكون للأهالي دور في خدمة المدرسة مادياً، كما يجب على المدرسة في المقابل ممارسة دور أوسع لخدمة مجتمع الحي تربوياً وثقافياً وتوعوياً.
 
- تمويل رجال الأعمال لإنشاء المدارس والمكتبات الوقفية وتجهيزها بما يلزمها، وبناء أوقافا عقارية مخصصة للإنفاق من ريعها الوفير على خدمات تلك المؤسسات الوقفية التعليمية وأنشطتها، مع ملاحظة أن تبقى الولاية على الوقف العقاري على المؤسسة تحت إدارة أهلية خاصة، ضماناً لاستقلالية الوقف ومرونة تسيير شؤونه واستثماراته، مع إحالة النظر في الأمور التعليمية، والفنية للجهات الحكومية المختصة بالشؤون التعليمية والتربوية.
 
لتنشيط دور الوقف في حياة الأمة في المجالات الحيوية كالتعليم، يستحسن استغلال وسائل الاتصالات الحديثة، والتي أثبتت أثرها البالغ في صياغة الأفكار والتوجهات السلوكية للمجتمعات عامة، ولذا يقترح على نطاق واسع إنشاء قناة تلفزيونية بأموال الوقف أو استئجارها لتحقيق الهدف من خدمة الوقف إعلامياً وعملياً، وللغرض ذاته يتم إنشاء موقع على الشبكة العالمية (الانترنت) وذلك حسب ما جاء في توصية لدراسة سعودية قدمت في مؤتمر وزراء الأوقاف المنعقد في الرباط في منتصف شهر صفر عام (1421هـ) حيث أوصت الدراسة بضرورة إيجاد مصادر تمويل مستمرة من الأوقاف وغيرها لنشر العلم والمعرفة من خلال موقع انترنتي يتلافى التكرار في المادة العلمية والاكتفاء بالربط بالمواقع الأجدر في مادتها، وأوصت الدراسة بإجراء دراسة مسحية للمواقع الإسلامية وتحديد أقواها أثراً وأكثرها فائدة.
 
يمكن للوقف أن يساهم في تمويل عدة أنشطة تعليمية وبرامج تربوية متنوعة مثل:حلقات تحفيظ القرآن الكريم، والدورات العلمية المتخصصة في العلوم الشرعية، وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وبرامج التعليم العام، والدورات التدريبية المتنوعة في موضوعات الحاسب الآلي واكتساب المهارات العصرية، والبرامج التربوية التأهيلية لحياة أسرية ناجحة وسعيدة،
 
ملحــق الفتــــــــاوى: صرف الزكاة لطباعة الكتب والأشرطة الإسلامية
السؤال: فحيث إن نشر الكتاب الإسلامي والشريط مهم في الدعوة إلى الله في هذا الزمان، في تصحيح العقيدة وتوضيح العبادات الشرعية والحث على الآداب الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل يجوز صرف الزكاة في نشر وطباعة الكتاب والشريط الإسلامي، وقد سبق أن ناقش مجلس المجمع الفقهي هذه المسألة وقد صدر عنه القرار التالي:
 
الحمد لله رب العاملين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بدروته الثامنة والمنعقدة بمكة المكرمة فيما بين 27/4/1405هـ، 8/5/1405هـ - وبعد دارسة ما يدل عليه معنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ في الآية الكريمة، ومناقشة وتداول الرأي فيه ظهر أن للعلماء في المسألة قولين:
 
أحدهما: قصر معنى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ في الآية الكريمة على الغزاة في سبيل الله، وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ من الزكاة على المجاهدين في الغزاة في سبيل الله تعالى.
 
القول الثاني: أن سبيل الله شامل عام لكل أطراف الخير، والمرافق العامة للمسلمين، من بناء المساجد وصيانتها، وبناء المدارس والربط وفتح الطرق، مما ينفع الدين وينفع المسلمين، وهذا قول قلة من المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين، وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
 
نظراً إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظاً من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى﴾ (البقرة: 262)، ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في أبي داود: أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "اركبيها فإن الحج في سبيل الله:.
 
ونظراً إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة الله تعالى، ونشر دينه بإعداد الدعاة، ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم فيكون كلا الأمرين جهاداً. لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".
 
ونظراً إلى أن الإسلام محارب بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه.
 
ونظراً إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون. لذلك كله فإن المجلس قرر -بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها،ويدعم أعمالها في معنى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ في الآية الكريمة هذا وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين.
 
أما الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ فقال: "ها هنا أمر هام يصح أن يصرف فيه من الزكاة، هو إعداد قوة مالية للدعوة إلى الله،ولكشف الشبه عن الدين وهذا يدخل في الجهاد،وهذا من أعظم سبيل الله".
 
نرجو من فضيلتكم التفصيل في هذه المسألة المهمة؟
 
الجواب: فإني أقول إن ما ذكره هؤلاء العلماء المشهورون قول صحيح ورأي سديد، وفيه توسعة على المسلمين، وتأييد للدعاة والمرشدين، وسبب قوي لنشر الدين وقمع المشركين. ولا شك أنه سبيل الله تعالى الطريق الموصل إليه، وجمعه سبل، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ (المائدة: 16) أي يهدي إلى السبيل التي تؤدي من سلكها إلى السلام، فكل عمل صالح يقرب إليه تعالى ويوصل إلى رضاه وجنته فهو من سبيل الله؛ لأن الله تعالى يحب أن يتقرب به إليه، ويترتب عليه ثوابه وكرامته، فالله تعالى ذكر في آية الصدقات أشخاصاً يستحقونها لحاجاتهم الخاصة بهم، كالفقير والغارم والمؤلف وابن السبيل ونحوهم، ممن يأخذها لمصلحته وحاجته الحاضرة، ثم أجمل الجهات الأخرى بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ وقد جعل الله الهجرة من سبيله بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 100).
 
ولا شك أن مصلحة الدعوة إلى دين الله، وبيان محاسن الدين، والرد على المفسدين والملحدين، وتفنيد شبهات الكفار والمنافقين ونحو ذلك، هو من نصر الله ونشر دينه الذي ارتضاه وأحبه وفرضه على البشر، فإذا تعطل هذا الباب ولم يوجد من ينفق عليه، ويدفع به إلى الأمام، ويتبرع للدعاة والمصلحين بما يكفل استمرارهم، وجب أن يصرف فيه من الزكوات المفروضة، لاقتضاء المصلحة، فالنفقة فيه قد تكون أهم من دفعها لبعض المذكورين، كالمكاتب والمؤلف وابن السبيل، فإن هؤلاء قد يتحملون الصبر، ولا يكون فيهم من الضرورة كضرورة الرد على المفسدين وقمع المنافقين، ونشر العلم وطبع المصاحف وكتب الدين، وتسجيل أشرطة إسلامية، تتضمن بيان حقيقة الإسلام وأهدافه، ومناقشة الشبهات التي تروج على ضعفاء البصائر، فمتى توقف الإنفاق على هذه المصالح من التبرعات جاز الصرف على جميعها، وما أشبهها من الزكاة، التي شرعت لمصالح الإسلام وما يسد خلتهم، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
 
موقع الشبكة الإسلامية مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
 
السؤال: هل يجوز دفع الزكاة لمدرسة تعلم ابتدائي للأطفال إذا كانت المدرسة بحاجة للدعم المادي ؟.
 
الجواب: الصحيح أنه لا يجوز صرف الزكاة على تلك المدرسة،ومصارف الزكاة بينها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: 60) "بعد تفصيله لأهل الزكاة الثمانية قال الشيخ المنجد".
 
والخلاصة: أنه لا يجوز صرف الزكاة لهذه المدرسة إلا إذا كان طلابها فقراء أو يدخلون في صنف من الأصناف الثمانية، وفي الشرع أبواب مفتوحة لإعانة هذه المدرسة مثل الصدقات والهبات والوقف. والله تعالى أعلم.
 
الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد.
 
www.islam-qa.com
 
السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:إن نشر الكتاب الإسلامي والشريط مهم في الدعوة إلى الله في هذا الزمان في تصحيح العقيدة وتوضيح العبادات الشرعية والحث على الآداب الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،فهل يجوز صرف الزكاة في نشر وطباعة الكتاب والشريط الإسلامي أم لا؟
 
الجواب: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: ناقش مجلس المجمع الفقهي هذه المسألة بدورته الثامنة والمنعقدة بمكة المكرمة فيما بين 27/4/1305هـ، 8/5/1405هـ - وبعد دارسة ما يدل عليه معنى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ في الآية الكريمة، ومناقشة وتداول الرأي فقد صدر عنه القرار التالي: أن للعلماء في هذه المسألة قولين: أحدهما: قصر معنى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ في الآية الكريمة على الغزاة في سبيل الله، وهذا رأي جمهور العلماء، وأصحاب هذا القول يريدون قصر نصيب: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ من الزكاة على المجاهدين في الغزاة في سبيل الله تعالى. القول الثاني: أن سبيل الله شامل عام لكل أطراف الخير، والمرافق العامة للمسلمين، من بناء المساجد وصيانتها، وبناء المدارس والربط وفتح الطرق، مما ينفع الدين وينفع المسلمين،وهذا قول قلة من
 
المتقدمين، وقد ارتضاه واختاره كثير من المتأخرين، وبعد تداول الرأي ومناقشة أدلة الفريقين قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
 
1- نظراً إلى أن القول الثاني قد قال به طائفة من علماء المسلمين، وأن له حظاً من النظر في بعض الآيات الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى﴾ (البقرة262) ومن الأحاديث الشريفة مثل ما جاء في أبي داود: أن رجلاً جعل ناقة في سبيل الله، فأرادت امرأته الحج، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "اركبيها فإن الحج في سبيل الله".
 
2- ونظراً إلى أن القصد من الجهاد بالسلاح هو إعلاء كلمة تعالى، ونشر دينه بإعداد الدعاة، ودعمهم ومساعدتهم على أداء مهمتهم فيكون كلا الأمرين جهاداً. لما روى الإمام أحمد والنسائي وصححه الحاكم عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم".
 
3- ونظراً إلى أن الإسلام محارب بالغزو الفكري والعقدي من الملاحدة واليهود والنصارى وسائر أعداء الدين، وأن لهؤلاء من يدعمهم الدعم المادي والمعنوي، فإنه يتعين على المسلمين أن يقابلوهم بمثل السلاح الذي يغزون به الإسلام وبما هو أنكى منه. 4. ونظراً إلى أن الحروب في البلاد الإسلامية أصبح لها وزارات خاصة بها، ولها بنود مالية في ميزانية كل دولة بخلاف الجهاد بالدعوة، فإنه لا يوجد له في ميزانيات غالب الدول مساعدة ولا عون. لذلك كله فإن المجلس قرر -بالأكثرية المطلقة- دخول الدعوة إلى الله تعالى وما يعين عليها، ويدعم أعمالها في معنى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ في الآية الكريمة هذا وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين. ويقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية رحمه الله تعالى: إن ما ذكره هؤلاء العلماء قول صحيح ورأي سديد، وفيه توسعة على المسلمين، وتأييد للدعاة والمرشدين، وسبب قوي لنشر الدين وقمع المشركين. ولا شك أنه سبيل الله تعالى الطريق الموصل إليه، وجمعه سبل، كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ (المائدة: 16) أي يهدي إلى السبيل التي تؤدي بمن سلكها إلى السلام، فكل عمل صالح يقرب إليه تعالى ويوصل إلى رضاه وجنته فهو من سبيل الله؛ لأن الله تعالى يحب أن يتقرب به إليه، ويترتب عليه ثوابه وكرامته، فالله تعالى ذكر في آية الصدقات أشخاصاً يستحقونها لحاجاتهم الخاصة بهم، كالفقير والغارم والمؤلف وابن السبيل ونحوهم، ممن يأخذها لمصلحته وحاجته الحاضرة، ثم أجمل جهات أخرى بقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ وقد جعل الله الهجرة من سبيله بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ (النساء:100). ولا شك أن مصلحة الدعوة إلى دين الله، وبيان محاسن الدين، والرد على المفسدين والملحدين، وتفنيد شبهات الكفار والمنافقين ونحو ذلك، هو من نصر الله ونشر دينه الذي ارتضاه وأحبه وفرضه على البشر، فإذا تعطل هذا الباب ولم يوجد من ينفق عليه، ويدفع به إلى الأمام، ويتبرع للدعاة والمصلحين بما يكفل استمرارهم، وجب أن يصرف فيه من الزكوات المفروضة، لاقتضاء المصلحة، فالنفقة فيه قد تكون أهم من دفعها لبعض المذكورين، كالمكاتب والمؤلف وابن السبيل، فإن هؤلاء قد يتحملون الصبر، ولا يكون فيهم من الضرورة كضرورة الرد على المفسدين وقمع المنافقين، ونشر العلم وطبع المصاحف وكتب الدين، وتسجيل أشرطة إسلامية، تتضمن بيان حقيقة الإسلام وأهدافه، ومناقشة الشبهات التي تروج على ضعفاء البصائر، فمتى توقف الإنفاق على هذه المصالح من التبرعات جاز الصرف على جميعها، وما أشبهها من الزكاة، التي شرعت لمصالح الإسلام وما يسد خلتهم ومما لا شك أن هذا الأمر هام يصح أن يصرف فيه من الزكاة، هو إعداد قوة مالية للدعوة إلى الله، ولكشف الشبه عن الدين وهذا يدخل في الجهاد، وهذا من أعظم سبيل الله).
 
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
 
إنني أرى أن توجيه مصرف ﴿وَفِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ إلى الجهاد الثقافي والتربوي والإعلامي أولى في عصرنا، بشرط أن يكون جهادًا إسلاميًا صحيحًا. و نستطيع أن نضرب أمثلة شتى لكثير من الأعمال التي تحتاج إليها رسالة الإسلام في هذا العصر، وهي جديرة أن تعد بحق جهادًا في سبيل الله. إن إنشاء مراكز للدعوة إلى الإسلام الصحيح، وتبليغ رسالته إلى غير المسلمين في كافة القارات، في هذا العالم الذي تتصارع فيه الأديان والمذاهب، جهاد في سبيل الله. وإن إنشاء مراكز إسلامية واعية في داخل بلاد الإسلام نفسها، تحتضن الشباب المسلم وتقوم على توجيهه الوجهة الإسلامية السليمة، وحمايته من الإلحاد في العقيدة، والانحراف في الفكر، والانحلال في السلوك، وتعده لنصرة الإسلام، وتحكيم شرعه، ومقاومة أعدائه، جهاد في سبيل الله. وإن إنشاء صحيفة إسلامية خالصة، تقف في وجه الصحف الهدامة والمضللة، لتعلي كلمة الله، وتصدع بقولة الحق، وترد عن الإسلام أكاذيب المفترين، وشبهات المضللين، وتعلم هذا الدين لأهله خاليًا من الزوائد، والشوائب، جهاد في سبيل الله. وإن نشر كتاب إسلامي أصيل، يحسن عرض الإسلام، أو جانب منه، ويكشف عن مكنون جواهره، ويبرز جمال تعاليمه، ونصاعة حقائقه، كما يفضح أباطيل خصومه، وتعميم مثل هذا الكتاب على نطاق واسع، جهاد في سبيل الله. وإن تفريغ رجال أقوياء أمناء مخلصين، للعمل في المجالات السابقة بهمة وغيرة وتخطيط لخدمة هذا الدين، ومد نوره في الآفاق، ورد كيد أعدائه المتربصين به، وإيقاظ أبنائه النائمين عنه، و مقاومة موجات التبشير والإلحاد و الإباحية والعلمانية، جهاد في سبيل الله. وإن معاونة الدعاة إلى الإسلام الحق، الذين تتآمر عليهم القوى المعادية للإسلام في الخارج، مستعينة بالطغاة والمرتدين من الداخل، جهاد في سبيل الله. وإن الصرف على هذه المجالات المتعددة لهو أولى ما ينبغي أن يدفع فيه المسلم زكاته وفوق زكاته، فليس للإسلام - بعد الله - إلا أبناء الإسلام، وخاصة في عصر غربة الإسلام. والله أعلم.
 
http://www.islamonline.net/zakaat/Arabic/display.asp?hquestionID
 
السؤال: هل يجوز دفع أموال الزكاة لإنشاء مشروعات إسلاميّة مثل بناء المعاهد الدينية أو المدارس الإسلامية، أو دفع مرتَّبات الذين يقومون بالعمل في هذه المؤسَّسات الدينيّة؟
 
الجواب: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: قال الشيخ جاد الحق (رحمه الله) في رده على سؤال مماثل:
 
مصارف الزَّكاة محدَّدة بنصِّ القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّما الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ والعَامِلِينَ عَلَيْهَا والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفِي الرِّقَابِ والغَارِمينَ وفِي سَبِيلِ اللهِ وابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (60 من سورة التوبة). هذه هي جملة أوجُه المستحقِّين للزكاة والصدقات، وكان من بينها بل السابع في تَعدادها الإنفاقُ في سبيل الله، وقد خصَّه بعض الفقهاء بأنه الإنفاق فيما يُعين المجاهدين في سبيل الله، وتوسَّع فيه آخرون، ومنهم العزُّ بن عبد السلام بأنَّه الإنفاق الذي يكون من شأنه تعزيز شأن المسلمين وتقويتهم سلمًا أو حربًا. وهذا الرأي الأخير رأي له وجاهتُه اليوم ويحتمله النصُّ القرآني، ويمكن العمل به، وبخاصّة بالنسبة للمسلمين إذا كانوا أقليّة في بلد من البلاد، وكانوا في حاجة إلى منشآت صحية أو تعليميّة يتعلمون فيها شؤون دينهم ولغتهم لغة القرآن الكريم محافظة على أبنائهم. وعلى هذا يجوز الإنفاق من أموال الزكاة على إنشاء المشروعات الخيرية الإسلامية كبناء المعاهد الدينية والمدارس والمستشفيات وتمويلها، ودفع مرتَّبات الذين يعملون فيها، وتجهيزها بما يلزم من أدوات، مع إعطاء الأولويّة في إنفاق جزء من الزكاة على الفقراء والمساكين من المسلمين. والله أعلم.
 
http://www.islamonline.net/zakaat/Arabic/display.asp?hquestionID