مركز رافد
ما رأيك في تصميم الموقع الجديد لشركة وقف رافد




الفلم التعريفي لرافد
رعاية المصلحة في الوقف الإسلامي
رعاية المصلحة في الوقف الإسلامي
29 سبتمبر 2016 - 28 ذو الحجة 1437 هـ( 1557 زيارة ) .


رعاية المصلحة في الوقف الإسلامي
اختلاف العلماء في إعمال المصلحة في الوقف
 
قبل الشروع في بحثي أقدم بمسألة طريفة تذكر بِقِدم اختلاف العلماء في إعمال المصلحة في الوقف، وتستعيد تاريخ المناظرات حول هذه القضية في مجالس العلماء في القرن الثامن الهجري.
ففي سنة 754هـ (الاثنين 28 جمادى الأولى) انعقد مجلس للمناظرة بين مؤيد لموقف الشيخ تقي الدين ابن تيمية في تأثير المصلحة الراجحة في تسويغ المناقلة في الأوقاف وبين معارض لذلك - والطرفان من علماء المذهب الحنبلي - بعد أن أسلمت المذاهب الثلاثة الأمر إلى القاضي الحنبلي، وأترك لتلميذ شيخ الإسلام الوفي الحافظ عماد الدين ابن كثير وصف الحكاية في تاريخه حيث يقول:
"ووقع في هذا الشهر نزاع بين الحنابلة في مسألة المناقلة، وكان سببها أن القاضي المالكي – وهو قاضي القضاة جمال الدين المسلاتي – أذن للشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي أن يحكم بالمناقلة في قرار دار الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي حاجب الحجاب إلى أرض أخرى يجعلها وقفا على ما كانت قرار داره عليه، ففعل ذلك بطريقه، ونفذه القضاة الثلاثة: الشافعي والحنفي والمالكي، فغضب القاضي الحنبلي – وهو قاضي القضاة جمال الدين المرداوي المقدسي – من ذلك، وعقد بسبب ذلك مجالس، وتطاول الكلام فيه، وادعى كثير منهم أن مذهب الإمام أحمد في المناقلة إنما هو في حال الضرورة، وحيث لا يمكن الانتفاع بالموقوف. فأما المناقلة لمجرد المصلحة والمنفعة الراجحة فلا.
وامتنعوا من قبول ما قرره الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ذلك ونقله عن الإمام أحمد - من وجوه كثيرة، من طريق ابنه صالح وحرب وأبي داود وغيرهم - أنها تجوز للمصلحة الراجحة، وصنف في ذلك مسألة منفردة وقفت عليها فرأيتها في غاية الحسن والإفادة بحيث لا يتخالج من اطلع عليها ممن يذوق طعم الفقه أنها مذهب الإمام أحمد رحمه الله؛ فقد احتج أحمد في ذلك في رواية ابنه صالح بما رواه عن يزيد بن هارون عن المسعودي عن القاسم بن محمد أن عمر كتب إلى ابن مسعود أن يحول المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق التمارين ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق ففعل ذلك.
فهذا فيه أوضح دلالة على ما استدل به فيها من النقل بمجرد المصلحة؛ فإنه لا ضرورة إلى جعل المسجد العتيق سوقا، على أن الإسناد فيه انقطاع بين القاسم وبين عمر، وبين القاسم وبين ابن مسعود، ولكن قد جزم به صاحب "المذهب" واحتج به، وهو ظاهر واضح في ذلك. فعُقِد المجلس في يوم الإثنين الثامن والعشرين من الشهر".
المشروعات: مصلحية وعبادية.. معقولة وغير معقولة
ما هي المصالح باختصار؟. "المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها، والأفراح وأسبابها" هذا ما يقوله العز بن عبد السلام. وقال غيره: "إنها (المصلحة) جلب نفع، أو دفع ضر؛ لأن قوام الإنسان في دينه ودنياه، وفي معاشه ومعاده بحصول الخير واندفاع الشر، وإن شئت قلت: بحصول الملائم واندفاع المنافي".[1]
ويقول العز ابن عبد السلام: "الطاعات ضربان: أحدهما ما هو مصلحة في الآخرة كالصوم والصلاة والنسك والاعتكاف، والضرب الثاني ما هو مصلحة في الآخرة لباذله، وفي الدنيا لآخذيه، كالزكاة والصدقات والضحايا والهدايا والأوقاف والصلات".[2]
ويوازي هذا التقسيم للطاعات تقسيم ثنائي آخر لكل ما شرعه الشارع الحكيم من معقول المعنى أو غير معقول المعنى (التعبدي)، وعبر العز عن ذلك بقوله: "المشروعات ضربان: أحدهما: ما ظهر لنا أنه جالب لمصلحة، أو دارئ لمفسدة، أو جالب دارئ لمصلحة، ويعبر عنه بأنه معقول المعنى. الضرب الثاني: ما لم يظهر لنا جلبه لمصلحة أو درؤه لمفسدة، ويعبر عنه بالتعبد، وفي التعبد من الطواعية والإذعان فيما لم تعرف حكمته ولا تعرف علته: ما ليس فيما ظهرت علته وفُهمت حكمته؛ فإن مُلابسه قد يفعله لأجل تحصيل حكمته وفائدته، والمتعبد لا يفعل ما تعبد به إلا إجلالا للرب وانقيادا إلى طاعته، ويجوز أن تتجرد التعبدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد ثم يقع الثواب عليها بناء على الطاعة والإذعان من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثواب".[3]
أما ابن رشد فسماه بـ"العبادي" في مقابل "المصلحي" حيث قال: "والمصالح المعقولة لا يمنع أن تكون أساسا للعبادات المفروضة حيث يكون الشرع لاحظ فيها معنيين: معنى مصلحيا، ومعنى عباديا، وأعني بالمصلحي ما رجع إلى الأمور المحسوسة، وبالعبادي ما رجع إلى زكاة النفس".[4]
ولكن هذا لا يعني كون التعبديات عَرِية عن المصالح؛ فإن الشريعة كلها مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، لكن منها ما ظهرت حكمته للعقول فسمي بمعقول المعنى، ومنها ما خفيت -مع الجزم بوجود حكمة ومصلحة- وهو التعبدي. هذا ما ذكره خليل في توضيحه دون تجويز تجردها عن المصالح الذي أشار له ابن عبد السلام.
وقال الشاطبي وهو يتحدث عما سماه بـ"قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء": "إن وضع الشريعة إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا، وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا، وليس هذا موضعَ ذلك، وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الرازي أن أحكام الله ليست بعلة البتة، كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، ولما اضطر (الرازي) في علم الأصول إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية: أثبت ذلك على أنه يعلل (وتكون العلل بمعنى العلامات، وذلك للأحكام خاصة) ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه المسألة.
والمعتمد أنا استقرينا في الشريعة أنها وُضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره؛
* فإن الله تعالى يقول في بعثه للرسل - وهو الأصل -: }رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل{، }وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين{، وقال في أصل الخلقة: }وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا{، }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون{، }الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا{.
* وأما التعليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسُنة فأكثر من أن تُحصى؛ كقوله تعالى في آية الوضوء: }ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهرَكم وليتم نعمته عليكم{.
وقال في الصيام: }كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون{. وفي الصلاة: }إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر{. وقال في القبلة: }فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة{.
وفي الجهاد: }أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا{. وفي القصاص: }ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب{. وفي التقرير على التوحيد: }ألست بِرَبكُم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين{، والمقصود التنبيه.
وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم؛ فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة.[5]
هل تُبنى الأحكام على لائحات المصالح دون دلالة النصوص؟
وإذا كانت الشريعة مبنية على المصالح جَلْبا، فهل تُبنى الأحكام على لائحات المصالح دون اعتبار لدلالة النصوص؟ ذلك موضوع آخر لوزن المصالح توقف عنده العلماء فقسموا المصالح - على ضوئه - إلى ثلاثة أقسام:
- مصالح معتبرة بشهادة النص، وهي التي يعبر عنها "بالمناسب المعتبر".
- ومصالح ملغاة، وهي التي شهد الشرع ببطلانها.
- والنوع الثالث من المصالح: ما لم يشهد له الشرع ببطلان ولا اعتبار معين.[6]
على ضوء هذه التوطئة عن المصالح يمكن أن نبحث عن مكان الوقف في سلم المصالح، ونحاول استجلاء حكمته لنصل إلى تصنيفه، ولنقدم الأسئلة العملية التي تترتب عليها نتائج في مجال الوقف.
إن السؤال المهم: هل الوقفية تتضمن معنى "تعبديا" يمنع استغلال الحُبُس الاستغلالَ الأمثلَ والانتفاع به الانتفاعَ الأشمل والأفضل، أم أن الوقفية تتجاوز الألفاظ والمباني إلى المقاصد والمعاني، وتبعا لذلك لا تكون الوقفية حبسا عن الاستغلال الكامل والانتفاع الشامل، بل حبسا عليه؟.
وبعبارة أخرى: هل الوقفية تعني المنع من التبذير والتبديد، عن طريق المنع من تفويت الأصل مع تثميره لصالح الموقوف عليهم واعتبار الاستمرار في "الوقفية" لا في الذات الموقوفة؟.
ينبغي أن نؤكد بادئ ذي بداءة أن الوقف ليس من التعبديات التي لا يعقل معناها، بل هو من معقول المعنى، ومما أسماه ابن رشد بالمصلحي، وقد مر في كلام العز بن عبد السلام تصنيفه في معقولات المعنى، فهو من نوع الصدقات والصلات والهبات؛ ففيه ما فيها من سد الخلات. وقد أكد القرافي ذلك المعنى حيث قال: "ولا يصحح الشرع من الصدقات إلا المشتمل على المصالح الخالصة والراجحة".[7]
وقال أيضا: "إن الشرع لا يعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح محصل لمصلحة أو دارئ لمفسدة، لذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة التي لا يتشاح العقلاء فيها عادة".
فالوقف يجمع بين الهبة والصدقة، فهو قد يكون هبة وصلة رحم بحسب نية الواقف والعلاقة بالموقوف عليهم، وقد يكون صدقة لوجهه تعالى مجردة عن كل غرض، وهو في حالتيه يخدم المستقبل ويدخر للأجيال المقبلة، وقد ترتبت عليه مصالح واضحة للعيان:
* بالنسبة للأفراد الذين قد تسطو عليهم عادية الزمان وتقسو عليهم صروف الدهر فيعجزون عن العمل أو تنضب عليهم الموارد فيجدون في الوقف غيثا مدرارا ومعينا فياضا يحيي مواتهم وينعش دماءهم، وينقع غلتهم، ويبرئ علتهم.
* وكذلك أيضا بالنسبة للأمة التي تجد في الوقف مرفقا اجتماعيا واقتصاديا لمساعدة الفقراء والمعوزين ومعالجة المرضى في المستشفيات الخيرية وتسهيل التنقل بالقناطر وحفر الآبار واتخاذ الصهاريج والحراميز والمصانع على الطرقات ذات المسافات البعيدة.
وتجد مؤسسة دينية وثقافية تشيد بيوت الله للمصلين وترفع صروح المدارس والجامعات للعلماء والطلاب والدارسين يأتيهم رزقهم بكرة وعشيا بلا مَن ولا أذى ليتفرغوا للعلم والبحث ونشر المعرفة.
والوقف خير معين على الجهاد وحماية الثغور ببناء الربط والمراكز في مناطق التماس مع العدو وتقديم الدعم للمجاهدين فيما وقف في سبيل الله فيصرف منه أرزاقهم ويشترى به الكراع والسلاح.
من أمثلة الوقف في التاريخ الإسلامي
قد ولج الوقف طيلة التاريخ الإسلامي في شرق العالم الإسلامي وغربه كل هذه الميادين بنسب متفاوتة، وفي فترات من مسيرة هذه الأمة متباينة، فأمثلة التاريخ كثيرة، ولعل من طريفها تلك الدعوى التي يقوم بها أشخاص ليسوا من مواطني قرطبة، ينزلون بها فيرون أوقاف المرضى التي توفر ما يُسمى "بالضمان الاجتماعي" في لغة العصر، فيطالب هؤلاء الأشخاص بالإفادة من هذا الوقف "الضمان"، فيفتي الفقهاء أن إقامة أربعة أيام في قرطبة تجعل الضيف مواطنا قرطبيا ليفيد من الأوقاف.[8]
ووقف الأموال لفداء أسارى المسلمين. كما كان في الأندلس فقد كان عند أحدهم ستمائة دينار ذهبا وقفا لفداء الأسارى.[9]
وقد بلغت الكتاتيب التي تم تمويلها بأموال الوقف عددا كبيرا؛ فمثلا يورد منها ابن حوقل - في كتابه "الجغرافي" - ثلاثمائة كُتاب في مدينة واحدة من مدن صقلية، وذكر أن الكتاب الواحد كان يتسع للمئات أو الآلاف من الطلبة.
وذكر أبو القاسم البلخي مدرسة في ما وراء النهر، كانت تَسَع ثلاثة آلاف طالب ينفق عليهم وعلى الدراسة فيها من أموال موقوفة لذلك الغرض.[10]
وجاء في رسالة أحد الواقفين إلى أحد النظار على الوقف بالدار البيضاء: "وبعد فنأمرك أن تنفذ للطالبين والمدرسين الواردين من فاس بقصد التدريس وبث العلم: دارا من دور الأحباس لنزولهما، وعشرين ريالا للواحد من مدخول الأحباس في كل شهر حتى تكتمل مدتهما - وهي سنة واحدة - ليعين بدلهما عند انقضائهما - بحول الله - على يد قاضي فاس والسلام".[11]
وفي مجال الصحة: مستشفى قلاوون؛ فقد أنشئ هذا البيمارستان لمداواة مرضى المسلمين: الرجال والنساء، من الأغنياء المثرين والفقراء المحتاجين بالقاهرة وضواحيها من المقيمين بها والواردين عليها على اختلاف أجناسهم وتباين أمراضهم وأوصابهم، يدخلونه جموعا ووحدانا وشيبا وشبانا، ويقيم به المرضى الفقراء من الرجال والنساء لمداواتهم لحين بُرئهم وشفائهم، ويصرف ما هو معد فيه للمداواة، ويفرق على البعيد والقريب والأهل والغريب من غير اشتراط لعوض من الأعواض، ويصرف الناظر من ريع هذا الوقف ما تدعو حاجة المرضى إليه من سُرُر- جريد أو خشب على ما يراه مصلحة – أو لُحف محشوة قطنا وطراريح محشوة بالقطن، فيجعل لكل مريض من السرر والفرش على حسب حاله وما يقتضيه مرضه، عاملا في حق كل منهم بتقوى الله وطاعته، باذلا جهده وغاية نصحه، فهم رعيته وكل راع مسئول عن رعيته.
ويباشر المطبخ بهذا البيمارستان ما يطهى للمرضى من دجاج وفراريج ولحم، ويجعل لكل مريض ما طبخ له في زبدية خاصة به من غير مشاركة لمريض آخر، ويغطيها ويوصلها لكل مريض إلى أن يكتمل إطعامهم، ويستوفي كل منهم غذاءه وعشاءه وما وُصف له بكرة وعشيا.
ويصرف الناظر من ريع هذا الوقف لمن ينصبه من الأطباء المسلمين الذين يباشرون المرضى مجتمعين ومتناوبين ويسألون عن أحوالهم وما يجد لكل منهم من زيادة مرض أو نقص، ويكتبون ما يصلح لكل مريض من شراب وغذاء أو غيره في (دستور ورق) ويلتزمون المبيت في كل ليلة بالبيمارستان مجتمعين أو متناوبين، ويباشرون المداواة ويتلطفون فيها، ومن كان مريضا في بيته - وهو فقير - كان للناظر أن يصرف إليه ما يحتاجه من الأشربة والأدوية والمعاجين وغيرها مع عدم التضييق في الصرف.[12]
لهذا نقول - دون أدنى تردد -: إن الوقف ليس من باب التعبد الذي لا يعقل معناه، بل معقول المعنى مصلحي الهدف.
ما الذي يمكن للمصلحة أن تتدخل به في طبيعة الوقف؟
لكن ما الذي يمكن للمصلحة أن تتدخل به للتعامل مع طبيعة الوقف التي تقتضي سكون اليد، وبقاء العين، ولو كان ذلك على حساب مصلحة المنتفع الآنية أو المستقبلية، وهي مصلحة قد تكون محققة أو مظنونة.
هنا تختلف أنظار العلماء، وتتباين آراؤهم؛ من محافظ على عين الموقوف إلى ما يشبه التوقيف والتعبد، ومن متصرف في عين الوقف في إطار المحافظة على ديمومة الانتفاع وليس على دوام العين، ومن متوسط مترجح بين الطرفين، مائس مع رياح المصالح الراجحة في مرونة صلبة إذا جاز الجمع بين الضدين.
الفريق الأول: يمكن أن نصنف فيه المالكية والشافعية، فلا يجيز الإبدال والمعاوضة إلا في أضيق الحدود، في مواضع سنذكرها فيما بعد.
الفريق الثاني: المتوسط يمثله الحنابلة وبعض فقهاء المالكية وخاصة الأندلسيين.
الفريق الثالث: الذي يدور مع المصالح الراجحة حيثما دارت وأينما سارت، ويتشكل من بعض الأحناف - كأبي يوسف - ومتأخري الحنابلة - كالشيخ تقي الدين ابن تيمية - وبعض متأخري المالكية.
فلنقرر محل الاتفاق، وهو أن الأصل في الوقف أن يكون عقارا – أرضا - وما اتصل بها - بناء أو غرسا -: لا يجوز تفويت عينه، ولا التجاوز به عن محله، واحترام ألفاظ الواقف وشروطه بهذه الصفة يتفق الجمهور على صحته، بإضافة شرط لينضم إليهم أبو حنيفة وهو حكم حاكم به. إلا أن هذا الأصل قد يقع التجاوز عنه لقيام مصلحة تقتضي ذلك من مذهب أو أكثر، ومن فقيه أو أكثر.
ولهذا نلاحظ اعتبار المصلحة وتأثيرها في المظاهر التالية:
* وقف أموال منقولة - غير ثابتة - لا يمكن الانتفاع بها دون استهلاك عينها، كوقف النقود والطعام للسلف، أو النقود للمضاربة والاستثمار.
* أثر المصلحة في تغيير عين الموقوف بالمعاوضة والتعويض والإبدال والاستبدال والمناقلة.
* مراعاة المصلحة في الإبدال والمعاوضة والتصرف في غَلة الوقف ووفره في إنشاء وقف أو مساعدة وقف آخر على سبيل البت، أو سبيل السلف، واستثمار غلته لتنميته.
* تغيير معالم الوقف لمصلحة.
* التصرف في الوقف بالمصلحة مراعاة لقصد الواقف المقدر بعد موته.
* قاعدة اعتبار قصد الواقف.
* إجراء العمل في مسائل الوقف دليل اعتبار المصلحة.
وقبل الخوض في هذه المظاهر بشيء من التفصيل، لنقل: إن أصل جواز التصرف في الوقف للمصلحة: حديثُ حسان بن ثابت رضي الله عنه - وهو في صحيح البخاري وغيره - في شأن صدقة أبي طلحة لما نزل قوله تعالى: } لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون{، وفي هذا الحديث: "فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أبي وحسان، قال: وباع حسان حصته منه من معاوية فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعا من تمر بصاعٍ من دراهم؟".
فهذا الحديث، وإن كان الحافظ ابن حجر تأوله على أن الحديقة ما كانت وقفا أو أن الواقف أذن في بيعها عند الحاجة، فهي تأويلات غير ظاهرة، وابن حجر فرع في مواضع من كتابه على أن حديقة أبي طلحة كانت وقفا، والبخاري كرر ذلك في باب الوقف.[13]
ومما يدل على أنها كانت وقفا: استشهاد العلماء بهذا الحديث في مسائل الوقف، وجواب حسان حين قيل له: (أتبيع صدقة أبي طلحة؟ قال: ألا أبيع صاعا من تمر..) ظاهر في أنه وقف، وأن بيعه كان من قبيل الاجتهاد للمصلحة، وإنما كان قول أبي طلحة دالا على الوقف (لأن الحوائط والدور والأرضين إذا جُعلت في سبيل الله كانت ظاهرة في الوقف) كما ذكر الإمام ابن عرفة. واستشهاد الأحناف به لمذهب أبي حنيفة، كالطحاوي وغيره: دليل على ذلك.[14]
1- مسألة جواز وقف العين للسلف أو للمضاربة، ووقف غير العين مما يحول ويزول كالطعام والنبات والبذور:
وأما مسألة العين فقد ذكرها البخاري في صحيحه عن الزهري حيث قال: "وقال الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله ودفعها إلى غلام له تاجرٍ، فيتجر، وجعل ربحه صدقة للمسكين والأقربين، هل للرجل أن يأكل ربح تلك الألف، وأن يكون جعل ربحها صدقة للمسكين؟ قال: ليس له أن يأكل منها".
ويقول ابن تيمية: نص أحمد على ما هو أبلغ من ذلك (الإبدال)، وهو وقف ما لا يُنتفع به إلا مع إبدال عينه، فقال أبو بكر عبد العزيز في "الشافي": نقل الميموني عن أحمد أن الدراهم إذا كانت موقوفة على أهل بيته ففيها الصدقة، وإذا كانت على المساكين فليس فيها صدقة.
قلت: رجل وقف ألف درهم في السبيل؟ قال: إن كانت للمساكين فليس فيها شيء. قلت: فإن وقفها في الكراع والسلاح؟ قال: هذه مسألة لَبس واشتباه. قال أبو البركات: وظاهر هذا جواز وقف الأثمان لغرض القرض أو التنمية والتصدق بالربح.
كما حكينا عن مالك والأنصاري قال: ومذهب مالك صحة وقف الأثمان للقرض، ذكره صاحب التهذيب وغيره في الزكاة، وأوجبوا فيها الزكاة، كقولهم في الماشية الموقوفة على الفقراء.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري بجواز وقف الدنانير، ولأنه لا ينتفع بها إلا بالاستهلاك تدفع مضاربة، ويصرف ربحها في مصرف الوقف.
ومعلوم أن القرض والقراض يذهب عينه ويقوم بدله مقامه، وجعل المبدل به قائما مقامه لمصلحة الواقف.
وهذه المسألة فيها نزاع في مذهبه؛ فكثير من أصحابه – أي أحمد - منعوا وقف الدراهم والدنانير كما ذكره الخرقي ومن اتبعه، ولم يذكروا عن أحمد نصا بذلك، ولم ينقله القاضي وغيره إلا الخرقي، وأطال ابن تيمية النفَس في الرد على من منع من أهل مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.[15]
قال المرداوي في "الإنصاف" بعد أن نقل أن الصحيح من المذهب عدم وقف الأثمان ما نصه: وقال في الفائق: وعنه: يصح وقف الدراهم. فينتفع بها في القرض ونحوه، اختاره شيخنا - يعني الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى - وقال في الاختيارات: ولو وقف الدراهم على المحتاجين لم يكن جواز هذا بعيدا.[16]
وقصر المالكية وقف العين على القرض، ولكن ذلك من حيث المعنى لا يمنع تعميمه على غير القرض من الاستثمار، كما قاسوا على العين وقف الطعام للبذور ووقف النبات دون الأرض ليفرق على المساكين كما سبق.
وذكر خليل وغيره مسألة العين الموقوفة في باب الزكاة، ومن الموافقة أنها في مسائل الإمام أحمد ذكرت في باب الزكاة، إلا أن أصحاب أحمد تأولوا ذلك. قال خليل في مختصره: "وزكيت عين وقفت للسلف، كنبات ليزرع ويفرق ما يخرج منه للفقراء ولمسجد".[17]
وتردد خليل في باب الوقف في الطعام حيث قال: "وفي وقف كطعام: تردد"، وقد بين الشارح أن وقف الطعام إذا كان للسلف: كوقف العين ليس محل تردد، حسب مصطلح المؤلف؛ "لأن مذهب المدونة وغيرها الجواز، والقول لابن رشد بالكراهة: ضعيف، وأضعف منه قول ابن شاس: إن حمل على ظاهره يعني المنع والله أعلم".[18]
وفي المذهب الحنفي كان العلامة أبو السعود الذي عاش في القرن العاشر الهجري من أشد المدافعين عن جواز وقف النقود والمنقولات التي تزول وتحول، في رسالته في جواز وقف النقود[19]، حيث نقل ذلك عن زُفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة، وخرجه على قول محمد بن الحسن في المنقول إذا تعارف الناس على وقفه، وقاسها على مسائل أفتى فيها مشايخ الحنفية بجواز وقف المنقول في موضع التعارف ناقلا عن الخانية والبزازية والمحيط والذخيرة وغيرها من كتب الأحناف.
وذكر ابن عابدين عن فتاوى الشلبي أن وقف الدراهم لم يُرو إلا عن زفر.[20]
وهذا واضح في جواز وقف ما يحول ويزول كالطعام والعين، وما في حكمها مما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه، وبهذا ندرك أن المصلحة أثرت في الانتقال عن الأصل المعروف في: أن الوقف إنما يكون عقارا أو منقولا؛ لا يتضمن الانتفاع به استهلاك عينه عند الجمهور إلى أن أصبح الوقف أموالا سائلة تتناولها الأيدي وتتداولها الذمم.
2- مراعاة المصلحة في المعاوضة.. واستثمار غلة الوفر:
أجاز المالكية المعاوضة في ثلاثة مواضع يُباع فيها الحبس: لتوسعة الطريق العام، أو لتوسعة المسجد الجامع الذي ضاق بأهله، أو لتوسعة المقبرة. ويمكن أن نطلق عليها المعاوضة "للمصالح العامة" كما سماها أبو زهرة.[21]
وممن قال باستعمال وفر الوقف في غيره من أوجه البر، وبصرف الأموال المرصودة لوجه من أوجه البر في غيره من الوجوه إذا لاحت مصلحة في ذلك: أبو عبد الله القوري حين سُئل عن مسألة مفادها: أن إمام الجامع الأعظم كان يأخذ راتبه من جزية اليهود، شأنه شأن من قبله من الأئمة، ثم اتفق في اليهود ما اتفق، فانقطع المرتب بسبب ذلك، فهل يجري المرتب من وفر الأحباس الذي يَفضل عن جميع مصالحها وقومتها ومن تعلق بها أم لا؟
فأجاب بما مؤداه: أن المسألة ذات خلاف في القديم والحديث، وأن الذي به الفتيا إباحة ذلك وجوازه وتسويغه وحِليته لآخذه، وهذا مروي عن ابن القاسم، رواه عنه ابن حبيب عن أصبغ، وبه قال عبد الملك بن الماجشون وأصبغ، وأن ما قُصد به وجه الله يجوز أن يُنتفع ببعضه في بعض إن كانت لذلك الحبس غلة واسعة ووفر بين كثير يُؤمن من احتياج الحبس إليه حالا ومآلا، وبالجواز أفتى ابن رشد بِرم مسجد من وفر مسجد غيره، ولهذا ذهب الأندلسيون خلاف مذهب القرويين، وبه قال ابن القاسم، والأصح الجواز، وهو الأظهر في النظر والقياس، وذلك أنا إن منعنا الحبس حرمنا المُحبس من الانتفاع الذي حبس من أجله، وعرضنا تلك الفضلات للضياع؛ لأن إنفاق الأوفار في سبيل كمسألتنا أنفع للمحبس وأنمى لأجره وأكثر لثوابه.[22]
وفي نوازل ابن سهل: ما هو لله لا بأس أن يُنتفع به فيما هو لله. ويقول ابن لب:
فقد كان فقهاء قرطبة وقضاتها يبيحون صرف فوائد الأحباس بعضها في بعض".[23]
وخفف ابن السليم في تصريف الأحباس بعضها في بعض، وهو قول ابن حبيب في كتاب الحبس من الواضحة. وفي ذلك اختلاف، وكلام ابن السليم هو قوله: "وما كان لله لا بأس أن يُستعان ببعضه في بعض، وبنقل بعضه إلى بعض".[24]
ومن ذلك جواب ابن القطان في غابة زيتون موقوفة على مسجد قشتال أن تُصرف على بناء سور الموضع: "ومنفعة السور للمسجد صاحب الزيت أَعود نفعا من صرفه في غير ذلك، فلتطب النية في صرف ذلك فيما هو أهم وأعود نفعا، وإن كان النص أن يصرف في مسجد آخر".[25]
وفي المعيار جواز اشتراء دار للإمام الذي كان يسكن في دار مستأجرة من وفر الوقف.[26]
ومن هذا القبيل ما اختاره سيدي عبد الله العبدوسي "من أن يكون صرف غلة الأحباس بعضها على بعض، على وجه المسالفة؛ بشرط أن يكون المسلف منه غنيا لا يحتاج إلى ما أسلف منه، لا حالا ولا استقبالا، أو يحتاج في المستقبل بعد رد السلف".[27]
هل يجوز استثمار الأموال المرصودة ليزداد ريع الوقف؟
والسؤال المهم: هل بالإمكان - شرعا - تحريك الأموال المرصودة لاستثمارها ليزداد ريع الوقف، ويكون أكثر استجابة للمصالح التي وقف من أجلها؟
هذا الأمر لا يستبعد، وذلك للاعتبارات التالية:
- باعتبار المصلحة التي من أجلها كان القول بجعل الوفر في أعيان من جنس الوقف تكون وقفا، أليس ذلك نوعا من الاستثمار؟ لم يبق بعد ذلك إلا إشكالية المضاربة في ثمن المعاوضة دون صرفه إلى أعيان من جنس الوقف.
- إذا اعتبرنا القول بجواز وقف العين ابتداء للاستثمار والمضاربة فنقول: إن ما جاز ابتداء يجوز في الأثناء بناء على المصلحة الراجحة كما سماها ابن تيمية ليترتب عليها استبدال الوقف للجدوى الاقتصادية التي ليست ناشئة عن حاجة أو ضرورة، وإنما عن الحاجة الاستثمارية.
- قياسا على جواز المضاربة في مال اليتيم، بل هو أولى من تركه تأكله الصدقة. قال تعالى: )يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير).
- يُقاس على التصرف في مال الغير بالمصلحة الراجحة الذي قد يُثاب عليه فاعله. ففي الحديث الصحيح: حديث ثلاثة الغار، ومنهم الرجل الذي كان مستأجرا أجيرا بفرق من أرز، فلما قضى عمله قال: "أعطني حقي، فعرضت عليه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا برعاتها، فجاءني فقال: اتق الله وأعطني حقي، فقلت: اذهب إلى ذلك البقر ورعاتها فخذ.." إلى آخر الحديث. ونعلم أن الله فرج عنه بفضل هذا العمل، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم، وكان في ذلك صلاح لهم.[28]
قال الأُبي في شرحه على صحيح مسلم في هذا المحل ما نصه: "احتج به الحنفية على أن بيع الرجل مالَ غيره، والتصرفَ فيه بغير إذنه: جائز؛ إذا ما أمضاه المالك. وأجاب أصحابنا وغيرهم بأنه شرع من قبلنا فيحتمل أنه استأجره بأجر في الذمة ولم يُسلمه له، بل عرضه عليه فلم يقبله لرداءته فلم ينتقل من غير قبض، فيبقى على ملك ربه فلم يتصرف إلا في ملكه ثم تطوع بما اجتمع منه".[29]
فهذا يدل على أن التصرف بالإصلاح، وبما هو أصلح: أمر مقبول شرعا. وهذه شهادة الجنس، وبيان ذلك أن نقول: إن مال الغير يشمل مالا مملوكا لشخص لم يخرج عن ملكه، ويشمل مالا موهوبا لشخص آخر، ثم إن أمر الغلة والوفر أخف من أمر أصل الوقف، فالثمرة ليست حبيسة، بل هي مُسبلة كما هو صريح النص، ولهذا أجازوا استبدال الدراهم بها قبل وصولها إلى يد المستحق؛ لأن الغلة ليست حبيسة، ويشهد لذلك ما في كتاب الأقضية الثالث من سماع أشهب عن مالك، من كتاب الحبس في البيان والتحصيل لابن رشد: "وسُئل عن الرجل يحبس الحائط صدقة على المساكين أيقسم بينهم تمرا، أم يباع ثم يقسم الثمن بينهم؟ قال: ذلك يختلف، وذلك إلى ما قال فيه المتصدق أو إلى رأي الذي يلي ذلك واجتهاده - إن كان المتصدق لم يقل في ذلك شيئا - إن رأى خيرا أن يبيع ويقسم ثمنه، وإن رأى خيرا أن يقسم ثمره قسمه ثمرا، فذلك يختلف، فربما كان الحائط بالمدينة: فإن حُمل أضر ذلك بالمساكين حمْله، وربما كان في الناس الحاجة إلى الطعام فيكون خيرا لهم من الثمن فيقسم إذا كان هكذا فهو أفضل وخير، وهذه صدقات عمر بن الخطاب منها ما يُباع فيقسم ثمنه، ومنها ما يُقسم تمرا.
فابن رشد بين هذا على ما قاله: "إن ذلك إلى اجتهاد الناظر في ذلك إن لم يقل المتصدق في ذلك شيئا".[30]
3- تغيير المعالم للمصلحة:
من أمثلته ما ذكره الحطاب في نقله لكلام البرزلي في مسألة مراعاة قصد المحبس لا لفظه: "ومثله ما فعلته أنا في مدرسة الشيخ التي بالقنطرة، غيرت بعض أماكنها مثل الميضأة ورددتها بيتا، ونقلتها إلى محل البير لانقطاع الساقية التي كانت تأتيها، ورددت العلو المحبس على عقب المذكور بيوتا لسكنى الطلبة بعد إعطاء علو من الحبس يقوم مقامه في المنفعة".[31]
ومن أوجه مراعاة المصلحة: تقديم ذوي الحاجة والفاقة على غيرهم، والأصل أن يتبع شرط الواقف الذي وقف على ذوي القربى دون تفضيل، ولكن نقل في الموازية عن ابن القاسم إيثار ذوي الحاجة والفقراء على غيرهم، ولو أن الحبس على ذوي القربى.[32]
ونقله القرافي في الذخيرة قائلا: قال ابن يونس: قال ابن القاسم: لا يعتبر في الغلة والسكنى كثرة العدد، بل أهل الحاجة، وفي السكنى: كثرة العائلة؛ لأنهم يحتاجون إلى سعة المسكن، والمحتاج الغائب أولى من الغني الحاضر بالاجتهاد، ولأن مبنى الأوقاف لسد الخلات".[33]
4- قاعدة مراعاة القصد دون اللفظ في الوقف:
وأخيرا فهناك قاعدة مهمة تصب في جدول المصلحة، وهي اعتبار بعض المتأخرين من علماء المذهب المالكي لقصد الواقف المقدر بعد موته، لإحداث تصرف في الوقف للمصلحة يخالف ألفاظه.
وهذه القاعدة ذكرها الونشريسي في المعيار، وأصلها من جواب للشيخ أبي الحسن القابسي فيمن حبس كتبا وشرط في تحبيسه ألا يعطى إلا كتاب بعد كتاب، فإذا احتاج الطالب إلى كتب وتكون الكتب من أنواع شتى فهل لا يعطي كتابين معا، ولا يأخذ إلا كتابا بعد كتاب؟
فأجاب ما معناه: أن الطالب إن كان مأمونا مُكن من عدة كتب مراعاة لقصد الحبس لا لفظه، وظاهرٌ من كلام أبي عمران أنه لا يتعدى شرط الواقف.
وعن ما جرى به العمل في بعض الكتب المحبسة على المدارس، ويشترط عدم خروجها من المدرسة وجرت العادة في هذا الوقت بخروجها بحضرة المدرسين ورضاهم، وربما فعلوا ذلك في أنفسهم ولغيرهم".[34]
وقد نظم محمد ميارة في تكميله للمنهج في القواعد، قاعدة اعتبار قصد الواقف المقدر بعد موته للتصرف في الحبس بما فيه مصلحة فقال:
قلت كذا الحبس قالوا إن شَرَط لا تخرج الكتب فخلف قد فرط
يجري بها كذلك أن لا يدفعا إلا كتاب بعد آخر اسمعا
للقصد جاز فعل ما لو حضرا وافقه، رآه أيضا نظرا
وهذه قاعدة اللفظ إذا خالفه القصد فقيل ذا وذا
وذكر المؤلف في شرحه لهذه الأبيات ما نقلناه عن القابسي - بواسطة الحطاب في شرحه لخليل - عند قول المصنف (واتبع شرطه إن جاز) وهو نقله بواسطة البرزلي. وذكر في آخر شرحه كلاما للعبدوسي قائلا: "وأشار بقوله للقصد جاز – البيت - إلى ما وقع في جواب الإمام عبد الله العبدوسي، ونقله صاحب المعيار بعد ثمان عشرة ورقة من نوازل الأحباس مما حاصله: أنه يجوز أن يفعل في الحبس ما فيه مصلحة له مما يغلب على الظن، حتى كاد أن يقطع به أن لو كان المحبس حيا وعُرض عليه ذلك لرضيه واستحسنه.[35]
وفي هذه القاعدة التي أُخذت من كلام بعض المتأخرين، كالقابسي والبرزالي والعبدوسي، وأخذ بها الأندلسيون أيضا: ما يدل على اعتبار المصلحة لتفسير أقوال الواقف، ولصرف الأوقاف؛ لأن تكليم القصد بعد بت الوقف وموت الواقف، إنما هو - في الحقيقة - تحقيق لمناط المصلحة كما أخذه ميارة من كلام العبدوسي فيما نقلناه آنفا.
ونقل كلام الحطاب وميارة، الرهوني في حاشيته على الزرقاني، وبعد نقله لنص نظم تكميل المنهج قال: ولم يذكر في الشرح ترجيحا ولا عملا،
ذكر عصريه أبو محمد سيدي عبد القادر الفاسي في أجوبته أن العمل جرى بمراعاة القصد، ونظم ذلك ولده أبو زيد في عملياته فقال:
وروعي المقصود في الأحباس لا اللفظ في عمل أهل فاس
ومنه كتب حبست تقرأ في خزانة فأخرجت من مُوقف[36]
5- جريان العمل في الأوقاف:
إنه مما يؤكد مراعاة المصلحة: جريان العمل في الأوقاف الذي يترجح به المشهور، وليس ذلك في مذهب مالك فقط – كما سنرى - والذي من قواعده اعتماد القول الضعيف إذا جرى به عمل، فيقدم على المشهور كما قال في مراقي السعود:
وقَدم الضعيف إن جرى عمل فيه لأجل سبب قد اتصل
وقال الشيخ المسناوي: وإذا جرى العمل ممن يُقتدى به بمخالفة المشهور لمصلحة وسبب، فالواقع في كلامهم أنه يُعمل بما جرى به العمل ممن يُقتدى به، وإن كان مخالفا للمشهور، وهذا ظاهرٌ إذا تحقق استمرار تلك المصلحة وذلك السبب، وإلا فالواجب الرجوع إلى المشهور. هذا هو الظاهر.[37]
قال السجلماسي - نقلا عن ابن فرحون في تبصرته -: وكثيرا ما يوجد في كتب الموثقين في المسألة ذات الأقوال: الذي جرى به العمل كذا، ونصوص المتأخرين متواطئة على أن ذلك مما يرجح به القول المعمول به. (انتهى باختصار شديد).
والمراد بالعمل: القولُ حَكَم الأئمة به، واستمرار حكمهم.
قال الشيخ مصطفى - في آخر باب القضاء من حاشيته - نحو قول الأجهوري في آخر باب الفلس: إن المراد بما جرى به القضاء ما عَمل به القضاة وحكموا به، فهو في جملة ما به العمل.
ومن المهم أن نعرف لماذا عدل العلماء عن المشهور والراجح إلى القول الضعيف؟ والجواب - كما يقول السجلماسي في شرحه -: أن أصل العمل بالشاذ، وترك المشهور: الاستناد لاختيارات شيوخ المذهب المتأخرين لبعض الروايات والأقوال، لموجب ذلك كما بسطه ابن الناظم في شرح تحفة والده، ومن الموجبات تبدل العرف أو عروض جلب المصلحة أو درء المفسدة، فيرتبط العمل بالموجب وجودا وعدما، ولأجل ذلك يختلف باختلاف البلدان، ويتبدل في البلد الواحد بتبدل الأزمان.[38]
ولم يَضبط مفهوم جريان العمل الذي يرجح الضعيف غير المالكية؛ لأنه من أصول المتأخرين اعتبارا بأصل إمامهم في القول بعمل أهل المدينة.
فمما سلف ندرك أن العمل يجري لعرف أو ضرورة أو مصلحة أو ترجيح، وللعمل شروط لإجرائه.
لهذا أدخل المالكية إجراء العمل في مسائل الأوقاف في ست وعشرين مسألة، في بعضها خالفوا مشهور المذهب، وذلك ما يدل على إعمال المصلحة.
ومن هذه المسائل:
* مسألة كراء الحبس، فإذا تقدم شخص بزيادة في الأجرة انحل الإيجار عند أهل تونس، وقد نص عليه في المعتمد والتكميل للفلالي قائلا: "ومع قبول الزيد ريع الحبس يكرى على عمل أهل تونس"
* وكذلك بيع الحبس المشاع، قال الفيلالي: "والجزء المحبس المشاع فيما سوى منقسم يباع"
* وكذلك قسمة الانتفاع، كما نص عليه القاضي أبو علي: الحسن بن عطية الونشريسي في رسالة سماها "رفع النزاع في تحبيس المشاع"، وكذلك نقله الحطاب الصغير: يحي بن محمد الحطاب في تأليفه عن الأوقاف.
أما غير المالكية فقد نجد في كلامهم الترجيح بجريان العمل أو بالتعامل، وهما مفهومان قد يعني الأول منهما عمل العلماء في فتاواهم وأحكامهم، ويعني الثاني تعامل العامة في عوائدهم وأعرافهم. إلا أن هذه المذاهب لا تحدد بصفة واضحة معنى جريان العمل وشروط إجرائه، كما سبق عن المالكية، ومع ذلك نجد فيها إشارات وعبارات تلتفت إلى جريان العمل باعتباره مرجحا.
والذي يهمنا هنا هو مجال الأوقاف بحكم كون إجراء العمل دليلا على الالتفات إلى المصلحة، ونذكر باختصار فرعين: أحدهما للحنابلة حيث رجحوا بالعمل قول عُبادة. والثاني للأحناف في الترجيح بالتعامل.
يقول في الدر المختار: "و" كما يصح أيضا وقف كل "منقول" قصدا "فيه التعامل" الناس "كفاس وقدوم"، بل "ودراهم ودنانير" قلت: بل ورد الأمر للقضاء بالحكم به، كما في معروضات المفتي أبي السعود، ومكيل وموزون فيباع ويدفع ثمنه مضاربة، أو بضاعة فعلى هذا لو وقف كرا على شرط أن يقرضه لمن لا بذر له ليزرعه لنفسه، فإذا أدرك أخذ مقداره ثم أقرضه لغيره، وهكذا جاز.
خلاصة وفيها: وقف بقرة على أن ما خرج من لبنها أو سمنها للفقراء - إن اعتادوا ذلك - رجوت أن يجوز.
ويقول ابن عابدين: قوله: "لأن التعامل يترك به القياس" فإن القياس عدم صحة وقف المنقول؛ لأن من شرط الوقوف التأبيد، والمنقول لا يدوم. والتعامل - كما في البحر عن التحرير- هو الأكثر استعمالا، وفي شرح البيري عن المبسوط: أن الثابت بالعرف كالثابت بالنص.
وتمام تحقيق ذلك في رسالتنا المسماة "نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف" وظاهرها ما مر في مسألة البقرة: اعتبار العرف الحادث، فلا يلزم كونه من عهد الصحابة، وكذا هو ظاهر ما قدمناه آنفا من زيادة بعض المشايخ أشياء جرى التعامل فيها، وعلى هذا: فالظاهر اعتبار العرف في الموضع أو الزمان الذي اشتهر فيه، دون غيره؛ فوقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا، ووقف الفأس والقدوم كان متعارفا في زمن المتقدمين ولم نسمع فيه زماننا، فالظاهر أنه لا يصح الآن.
ولئن وجد نادرا لا يعتبر؛ لما علمت من أن التعامل هو الأكثر استعمالا فتأمل.[39]
وفي المذهب الحنبلي، يقول صاحب التوضيح في الجمع بين المقنع والتنقيح: ويصح بيع بعضه لإصلاح باقيه إن اتحد الوقف كالجهة، إن كان عينين أو عينا ولم تنقص القيمة، وإلا بِيْع كله، وأفتى عُبادة بجواز عمارة وقف من آخر على جهته، وعليه العمل، ويجوز اختصار آنية إلى أصغر منها وإنفاق الفضل على الإصلاح.[40]
قال سحنون رحمه الله: بقاء أحباس السلف خرابا: دليل على أن بيعها غير مستقيم، وقد وقع في المدونة نقلا عن ربيعة أن للإمام بيعَ الحبس إذا رأى ذلك لخرابه، وحصل ابن عرفة في المسألة ثلاثة أقوال صدر فيها بالمنع مطلقا، وفي أجوبة الإمام القاضي ابن رشد ما ظاهره: أن الحبس يجوز بيعه وإن كان فيه نفع إذا كان النفع يسيرا، وعلى الأول المعول، وفي أصل الإمام - أي مالك – المقلد في الشرائع: للاحتياط وسدا للذرائع والله أعلم انتهى.
وتعقبه شيخنا أبو العباس الأبار بما نصه: ما أجاب به المفتي - أعزه الله - من أن صلب المذهب وصميمه على المنع من بيع الأحباس، وأنه مذهب الجمهور: صحيح مشهور، وهو في غير ما ديوان من دواوين العلماء مكتتب مشهور، بيد أن جماعة من الشيوخ ذوي التثبت في العلم والرسوخ، أفتوا ببيعه ومعاوضته بغيره؛ إذا لم تكن فيه منفعة، أو قَلت؛ رعيا للمصلحة التي اعتنى بها الشارع، واتباعا لقصد المحبس؛ إذ عادة الشيوخ تقديمه على غيره لرسوخه في العلم، وتحقيقه للروايات، وتقديمه للقضاء والفتيا بإجماع من جُل معاصريه. فقد سئل أبو العباس ابن لب عن بيع طراز حبس تداعى للسقوط.
فأجاب: يسوغ الطراز على الصحيح من القولين في ذلك، ويعوض بثمنه للحبس ما يكون له أنفع، وإن وجد من يعامل به فهو أحسن إن أمكن انتهى.
وسئل أبو عبد الله الحفار عن فدانٍ حُبس لا منفعة فيه: هل يباع ويشترى بثمنه ما يكون فيه منفعة؟
فأجاب: إذا كان الفدان الذي حُبس لا منفعة فيه؛ فإنه يجوز أن يباع ويشترى بثمنه فدان آخر يحبس غلته في المصرف الذي حُبس عليه الأول، على ما أفتى به كثير من العلماء في هذا النحو، ثم استدل بفتوى ابن رشد... إلخ كلامه.
وسئل سيدي عيسى بن علال عن سدس جنان في شركة رجل، وغلة الجنان المذكور لا تفي بما يلزم في خدمته، فهل يجوز بيعه وتعويضه بما هو أغبط للحبس؟
فأجاب بأن ذلك جائز، وعليه العمل، والمسألة منصوصة في طرر ابن عات، وفي واضحة ابن حبيب. انتهى.[41]
كيف تتحقق المصلحة في الوقف؟
إذا كان استقراء النصوص عامة، والنصوص المتعلقة بالوقف خاصة، أظهرت - بما لا يدع مجالا للمراء - أن معيار المصلحة هو المعيار الصحيح الذي لا يحيف، وأن ميزانها هو الميزان العدل الذي لا يجور، يصبح السؤال: كيف يتحقق قيام المصلحة، وهل هي مصلحة خاصة خالية من معارض المفاسد التي قد تعطل تأثير المصلحة وتبطل مفعولها؟ لا جرم أنه لا توجد – في الغالب – مصلحة محضة عَرِية عن مفسدة أو ضرر من وجه، وقد أوضح ذلك أبو إسحاق الشاطبي خير إيضاح، وبينه خير بيان، حيث قال: (المسألة الخامسة):
"المصالح المبثوثة في هذه الدار يُنظر إليها من جهة مواقع الوجود، ومن جهة تعلق الخطاب الشرعي لها. فأما النظر الأول: فإن المصالح الدنيوية - من حيث هي موجودة هنا- لا يتخلص كونها مصالح محضة.. وبعد تعريف المصلحة أضاف: كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها، أو يسبقها، أو يتتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثير". وبعد أن برهن على "أن هذه الدار على الامتزاج بين الطرفين، والاختلاط بين القبيلين"، قال رحمه الله تعالى: "وأما النظر الثاني فيها من حيث تعلق الخطاب شرعا:
فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل".
ثم يردف: "وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي".[42]
وكلام الشاطبي يرجع على قاعدة أخرى هي أن الغالب كالمحقق. "قال أبو عبد الله المقري: قاعدة المشهور من مذهب مالك أن الغالب كالمحقق في الحكم".[43]
المراد من هذه المقدمة تحرير المصلحة المعتبرة التي يمكن أن تؤثر في الوقف أنها مصلحة غالبة عادة، يُطلب جلبها شرعا، أو مفسدة غالبة عادة، يطلب درؤها شرعا، فإذا لم يقع تحقق غلبة المصلحة على المفسدة فإن الإبقاء على أصل الثبات في الوقف مُسَلم الثبوت، فليست كل مصلحة عارضة يمكن أن تزعزع أركان الوقف وتَصرف ألفاظ الواقف عن مواضعها وتحرك الغلات عن مواقعها.
من يحقق مناط مصلحة الوقف؟
ويبقى الكلام نظريا إذا لم نتحدث عن كيفية تحقيق المناط، ومن يحققه على أرض الواقع؟ إنه الناظر والإمام والقاضي وجماعة المسلمين، كل هؤلاء بحسب الأحوال وشروط الواقفين، والظروف الزمانية والمكانية، ونوع المصالح التي يتعاملون معها، إذا كانت تقع في مرتبة الضرورات كغابة الزيتون الموقوفة على مسجد يحتاج إلى ريعها لصرفه في المساعدة على بناء سور يحمي المدينة من هجمات العدو كما تقدم، فعلى أولئك المذكورين أعلاه أن يقدروا رجحانية المصلحة وغلبتها على المفاسد التي قد تنشأ عن التصرف في الوقف، ولهذا اشترط الأحناف أن يتولى القاضي - دون الناظر - التحقق من المصلحة ليحكم بالاستبدال الذي لم يشترطه الواقف.
قال في الإسعاف: وأما إذا لم يشترطه فقد أشار في السير إلى أنه لا يملكه إلا القاضي إذا رأى المصلحة في ذلك، ويجب أن يخصص برأي أول القضاة الثلاثة المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام: "قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار" المفسر بذي العلم والعمل لئلا يحصل التطرق إلى إبطال الأوقاف كما هو الغالب في زماننا.[44]
"ولكنه لا يجوز للقاضي ولا للناظر التصرف إلا على وجه النظر، ولا يجوز على غير ذلك، ولا يجوز للقاضي أن يجعل بيد الناظر التصرف كيف شاء".[45]
وأشاروا أيضا إلى الموقوف عليهم المالكين لأمر أنفسهم "فإن كان المحبس عليهم كبارا أهلَ رضا تولوا حبسهم بأنفسهم، وإلا قدم السلطان بنظره.[46]
ولا يولى إلا أمين قادر - بنفسه أو بنائبه - لأن الولاية مقيدة بالقدرة؛ بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بالمقصود، وكذا تولية العاجز؛ لأن المقصود لا يحصل به، ويستوي فيه الذكر والأنثى، وكذا الأعمى والبصير، وكذلك المحدود في القذف إذا تاب؛ لأنه أمين.[47]
قال ابن عرفة: "والنظر في الحبس: لمن جعله له مُحبسه. يجعله لمن يثق في دينه فإن غفل المحبس عن ذلك كان النظر فيه للحاكم يقدم له من يرتضيه، ويجعل للقائم به من كرائه ما يراه سدادا على حسب اجتهاده. ثم نصوا على أن الناظر على الحبس إذا كان سيئ النظر غير مأمون فإن القاضي يعزله".
"ولكنه لا يجوز للقاضي، ولا للناظر، التصرف إلا على وجه النظر، ولا يجوز على غير ذلك، ولا يجوز للقاضي أن يجعل بيد الناظر التصرف كيف شاء".[48]
قال ابن وهبان: "وما وقف السلطان من بيت مالنا لمصلحة عمت يجوز ويؤجر". (ابن عابدين...).
ونقل في البحر الرائق عن الخانية: أن الوقف الذي له متول ومشرف، ليس للمشرف أن يتصرف في الوقف؛ لأن ذلك مفوض إلى المتولي، والمشرف مأمور بالحفظ لا غير. وهذا يختلف بحسب العرف في معنى المشرف، وبيان ما عليه من العمل، وأن ما يجعله الواقف للمتولي ليس له حد معين، وإنما هو ما تعارف عليه الناس في الجعل عند عهدة الوقف ليقوم بمصالحه من عمارة واستغلال وبيع غلات وصرف ما اجتمع عنده فيما شرطه الواقف، ولا يكلف من العمل بنفسه إلا مثل ما يفعله أمثاله، ولا ينبغي له أن يقصر عنه.[49]
قال في التوضيح الجامع بين المقنع والتنقيح: "ووظيفة الناظر حفظ وقف وعمارة وإجارة، وزرعه ومخاصمة فيه، وتحصيل ريعه، من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه، وله وضع يده عليه والتقرير في وظائفه".[50]
والمصالح تختلف من وقف إلى آخر؛ فأوقاف النقود والشركات ليست كأوقاف العقار من دور وبساتين، ولا كأوقاف الحيوان والمنقول، ووسائل تحصيل هذه المصالح تختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان.  
الخاتمة
وفي الختام: بعدما طالعنا من النصوص وتأويل الشيوخ، يمكن أن نجزم باعتبار المصلحة في استثمار الأوقاف، مع المحافظة على الديمومة؛ مما يُمكن من إعداد برامج الاستثمار المراعية للناحيتين الشرعية والمصلحية، ويحافظ على الموازنة الدقيقة بين انفتاح الوقف لمقتضيات "المصالح الراجحة" المحققة أو المظنونة، وبين الإبقاء على الوقفية التي تتمثل في بقاء العين أو ما يقوم مقامها في المحافظة على طبيعة الانتفاع للمستفيد من الوقف بحيث لا تَكُر مراعاة المصلحة بالإبطال على أصل الديمومة والجريان المستمر اللذين يمثلان أساس الحكمة التي تميز الوقف عن غيره من الصدقات والهبات.
هذه المعادلة بين ديمومة الوقف وتحقيق أفضل ريع وعائد وفائدة للوقف يجب أن توضع نصب أعين الأطراف المسئولة عن شؤون الأوقاف. وكل الآراء الاجتهادية للمذاهب الفقهية تدور حول هذين المحورين، فبعضها أغرق في التمسك بديمومة عين الوقف إلى حد الاحتفاظ بالذات بلا نفع، وكأن الوقف تعبدي محض؛ سدا لذريعة اعتداء شطار النظار وعدوان حكام الجور، وقد سجل التاريخ الكثير من ذلك.
بينما نَحَت اجتهادات أخرى إلى تحرير الوقف تذرعا بالمصلحة التي من أجلها أنشئت الأوقاف بحثا عن الاستثمار الأمثل مع ما يسببه ذلك من تعريض الوقف للتغيير والتبديل من جراء نَهَم النظار الذين خربت ذممهم وخفت ضمائرهم.
وانطلاقا مما تقدم ينبغي صياغة سياسة للمحافظة على الأوقاف، ولا سيما في ديار الغرب حيث يتعين تسجيل المساجد والأوقاف الأخرى باسم هيئات موثوق بها، وإيجاد صيغة لاعتراف السلطان في تلك الديار.
 
[1] شرح مختصر الروضة للطوفي 3 /204.
[2] قواعد الأحكام لابن عبد السلام، ص 18.
[3] نفس المرجع، ص19.
[4] بداية المجتهد بحاشيتها الهداية للغماري 1 /162.
[5] الموافقات 3 /5 -6 -7، وتوسع الشاطبي في ذلك في كتاب الاجتهاد، في المسألة العاشرة المتعلقة بالنظر في مآلات الأفعال 4 /194 وما بعدها.
[6] الطوفي 3 /205 وما بعدها.
 
[7] الذخيرة 6 /302.
[8] المعيار للونشريسي 7 /481.
[9] يُراجع حاشية الرهوني 7/152.
[10] الدور الاجتماعي للوقف، د. عبد الملك أحمد السيد 229 وما بعدها.
[11] سعيد عبد العال، استثمار أموال الوقف ص19.
[12] يوسف القرضاوي، مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، ص149.
[13] يُراجع فتح الباري5 /387-396 وما بعدها.
[14] يُراجع لذلك منهج اليقين للشيخ محمد حسنين مخلوف ص29-30-31.
[15] الفتاوى،ج31،ص234 وما بعدها.
[16] الإنصاف 7/10.
[17] نص خليل بشرح الزرقاني 2 /167.
[18] ما بين القوسين من حاشية البناني على الزرقاني 7/76.
[19] وهي رسالة مفيدة حققها أبو الأشبال صغير أحمد، طبعة دار ابن حزم بيروت 1417ه-.
[20] في كتابه "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية" 1 /109، دار المعرفة، بيروت.
[21] في كتابه الوقف، ص154-155.
[22] المعيار 7 /187. وقد نقل الرهوني في حاشيته هذا الكلام 7 / 150-151.
[23] المعيار 112.
[24] المعيار 219-220.
[25] المعيار 7 /132.
[26] 7 /140.
[27] المعيار 7 /45.
[28] فتح البارئ 5 /16.
[29] إكمال الإكمال شرح الأبي على صحيح مسلم 9 /؟.
[30] البيان والتحصيل 12 /247.
[31] الحطاب، مواهب الجليل 6 /36.
[32] لمنتقى 6/126 مطبعة السعادة بمصر.
[33] القرافي، الذخيرة 6 /334.
[34] المعيار 7/340.
[35] ميارة، شرح التكميل ونظمه، للمؤلف مخطوط ص 58-59. ويُراجع شرح الفقيه ابن أحمد زيدان للتكميل، ص37.
[36] الرهوني 7 /151.
[37] البناني 5/124.
[38] شرح نظم العمل المطلق 1/7.
[39] 3/375.
[40] 2/834.
[41] تحفة أكياس الناس بشرح عمليات فاس للعلامة الشريف أبي عيسى سيدي المهدي الوزاني الفاسي 403-404.
[42] يُراجع لما تقدم: الموافقات 2 /25-26-27 تحقيق دراز.
[43] المنجور شرح المنهج، ص112. 
[44] الإسعاف، ص32.
[45] الحطاب 6 /40.
[46] مواهب الجليل 6 /37.
[47] الإسعاف ص53.
[48] الحطاب 6 /40.
[49] ابن نجيم البحر الرائق شرح كنز الدقائق 5/263.
[50] 2/828.