مركز رافد
ما رأيك في تصميم الموقع الجديد لشركة وقف رافد




الفلم التعريفي لرافد
دوْر الوقف في تعزيز التقدُّم المعرفي (1-2)
دوْر الوقف في تعزيز التقدُّم المعرفي (1-2)
29 سبتمبر 2016 - 28 ذو الحجة 1437 هـ( 1100 زيارة ) .


دوْر الوقف في تعزيز التقدُّم المعرفي (1-2)
أ.د. حسن عبد الغني أبو غدة*
 
ملخص البحث
 أولاً: التعريف بالبحث:  يهدف هذا البحث إلى ما يلي:
 
 1. بيان حقيقة الوقف، وما يتصل به من مصطلحات.
 
 2. توضيح حُكْمه الشرعي مع الأدلة.
 
 3. بيان أهدافه في الإسلام، والمنزلة الرفيعة التي حظي بها.
 
 4. تحرير معنى " تعزيز التقدم المعرفي "
 
 5. عَرْضُ دور الوقف في تعزيز التقدم المعرفي، والطُرُق و الأساليب والأدوات الوقفية التي تفاعل معها المسلمون للارتقاء بالفكر الإنساني والمعرفة البشرية، ثقافة وعلماً وإبداعاً وحضارةً، في شتى البقاع، والمستويات، والمجالات.
 
 6. بيان الدوْر المعاصر للوقف، والصور والأساليب المقترحة لاستثماره في تطوير الأفراد وتنمية المجتمعات الإسلامية معرفياً، من أجل تقليل الفجوة بينها وبين المجتمعات الأخرى المتقدمة.
 
 ثانياً: أهمية البحث:
 
1.       إبراز دور الوقف في المجتمع الإسلامي في المجالات المعرفية، من أجل ردِّ الاعتبار إليه في حياتنا المعاصرة.
 
2.       الكشف عن مدى سبق المسلمين في الاهتمام بشتى مجالات التقدم الثقافي والعلمي، الذي يعتبر عنصراً مهماً في رُقِيِّ الشعوب وازدهارها .
 
3.       تعضيد وتأييد النداءات والمقترحات المعاصرة الداعية إلى ضرورة إشراك الجهات الخاصة من أفراد و مؤسسات ونحوها، في مشاريع التنمية الشاملة، ومنها التقدم المعرفي، و ذلك للتخفيف عن الجهات الرسمية التي تزاحمت عليها المسؤوليات وكثرت عليها وجوه الإنفاق.
 
4.       إرشاد ودلالة الراغبين في فعل الخير إلى مجالات معرفية معاصرة حساسة ومهمة، هي بحاجة إلى أن تُوَجَّه إليها كثير من الأموال التي يُراد وقفها.
 
5.       دراسة وتخريج بعض الأساليب والطرق المعاصرة، التي تصلح لاستثمار وتنمية الأموال الوقفية الوفيرة، وتوجيهها نحو مزيد من الأهداف المعرفية البناءة.
 
 ثالثاً: منهج البحث و طريقته: سأتبع في هذا الموضوع ـ عموماً ـ المنهج الاستقرائي والمنهج الوصفي، مع الدراسة والتحليل والاستنتاج، وذلك في ضوء ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، وما جاء في كتابات العلماء على تنوع تخصُّصاتهم، وألتزم توثيق المعلومات من مصادرها، وأكتفي بذكر اسم المرجع  والموضع المراد فيه، مع أنني سأذكره ومؤلِّفه وطبعته بالتفصيل، في فهرس خاص بالمراجع.
 
رابعاً: خطة البحث: اقتضت أبعاد الموضوع أن تكون مادته العلمية في سبعة مباحث، وخاتمة، على النحو التالي:
 
المبحث الأول: تعريف الوقف وبيان حكمه وأهدافه.
 
المبحث الثاني: تعريف التقدم المعرفي وبيان مترادفاته ومكانته في الإسلام.
 
المبحث الثالث: وقف المساجد ودورُه في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي.
 
المبحث الرابع: وقف الكتاتيب ( مدارس التعليم الابتدائي ) ودورُه في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي.
 
المبحث الخامس: وقـف مدارس التعليم فـوق الابتدائـي ودورُه في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي.
 
المبحث السادس: وقف المكتبات ودورُه في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي.
 
المبحث السابع: الدوْر المعاصر لاستثمار الوقف في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي.
 
الخاتمة: في أهم معالم ونتائج البحث.
 
أسأل الله تعالى التوفيق والسداد والقبول، إنه نعم المولى ونعم النصير.
 
المبحث الأول
 
تعريف الوقف وبيان حكمه وأهدافه
 
أولاً: تعريف الوقف لغة: الوَقْف ( بفتح الواو وسكون القاف ): الحَبْس  (بفتح الحاء وسـكون الباء)، وهما مصدران للفعلين: وقَف، وحبَس، ومنـه قولهـم: وقف الرجـلُ بئراً: حبسها في سُـبُل الخير؛ للسقاية ونحـوها. أما قولـهم: أوْقفَ ( بالهمز ) الرجلُ بئراً، فهي لغةٌ رديئة غيرُ فصيحة[1].
 
وكما يُطلق الوقف على المصدر، يطلق أيضاً على الشيء الموقوف، وهذا من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، كقولهم: هذا المصحف وقفٌ، أي: موقوف[2].
 
ويُجمع لفظ ( الوقف ) على وقوف ، وأوقاف[3]، ومن هذا قولُهم: وزارة الأوقاف.
 
ثانياً: تعريف الوقف اصطلاحاً: الوقف اصطلاحاً له تعريفات عديدة، يختلف بعضها عن بعض اختلافاً جزئياً، ولعل أنسبها أنه: حبْسُ العين عن التمليك، مع التصدق بمنفعتها[4].
 
والمراد بحبس العين: إمساكها ـ كالأرض الزراعية ـ عن البيع والهبة ونحوها من أسباب التمليك.
 
والمراد بالتصدق بمنفعتها: تمكين جهات معينة ـ كالفقراء ـ من الانتفاع بثمارها  وغِلالِها .
 
ويعود سـبب اختياري لهذا التعريف إلى أنَّ له أصـلاً في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه - في أرضٍ له أصابهـا بخيبـر: " إن شـئتَ حبَّسـت أصلها، و تصـدَّقت بها "[5] . أي: تصدَّقت بمنفعتها، كما يذكر ابن حجر رحمه الله تعالى[6]
 
ثالثاً:الألفاظ ذات الصلة بالوقف: للوقف مترادفات وردت في بعض الأحاديث النبوية، وفي كتابات بعض الفقهاء، منها: السبيلُ، وجمعه: سبُل[7]، والتأبيد، كقولهم: أبَّدتُ الأرضَ: وقفتُها؛ وذلك لكون الوقف مؤبَّدُ المدة[8]. ومنها الصدقة الجارية[9]، والحبْس ، وجمعُه: أحباس، وحُبُس ( بضمتين )[10] ، وبعضهم يُسكِّن الباء في الجمع – على لغةٍ – فيقول : حُبْس[11].
 
وقد جرت عادة بعض فقهاء المالكية على ذكر أحكام الوقف تحت عنوان: كتاب الحُبُْس[12] ( بسكون الباء و بضمها )، وذلك بدلاً من قـول فقهاء آخريـن: كتاب الوقـف[13].
 
رابعاً: حكم الوقف: اتفق الفقهاء على أن الوقف جائز مشروع، بل هو عند بعضهم مندوب إليه[14]، لما يأتي من أدلة. وذهب شريح القاضي، وأبو حنيفة فيما نُسِب إليه ـ رحمهما الله ـ إلى القول بعدم مشروعيته[15]؛ استدلالاً بآيات المواريث في سورة النساء[16]، وبحديث: " لا حبْس عن فرائض الله "[17].
 
واستدل الفقهاء القائلون بجواز الوقف بأدلة كثيرة صحيحة واضحة، فيها مشروعيته، والترغيب في فعله، وبيان فضله العظيم وأجره الكبير عند الله تعالى؛ وذلك لما في الوقف من فعل الخير، وإحياء النفوس، وتنمية المجتمعات، ومن هذه الأدلة ما يلي:
 
الدليل الأول: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " إذا مات الإنسان انقطع عملـه إلا من ثلاثـة: إلا من صدقة جاريـة، أو علم ينتفع بـه، أو ولد صـالح يدعو له "[18]. والصدقة الجارية عند عامة الفقهاء هي: الوقف[19].
 
الدليل الثاني: حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدم  المدينة وليس فيها ماء يُسْتعذَب غير بئر رُومة فقال: " من يشتري بئر رُومة، فيجعل فيها دلوَه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة ؟ قال: فاشتريتُها من صُلْب مالي"[20].
 
وفي رواية أخرى: أن عثمان -رضي الله عنه - اشترى بئر رومة بخمسة وثلاثين ألف درهم، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: " اجْعلها سِقاية ـ سبيلاً ـ للمسلمين، وأجرُها لك "، ففعل[21].
 
 الدليل الثالث: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر فأتى النبي ‘ يستأمره فيها فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر، لم أُصِب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به ؟ قال: إن شئت حبَّستَ أصلها وتصدقت بها . قال: فتصدق بها عمر، أنه: لا يُباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدقَ بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جُناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويُطْعِم غير مُتَموِّل...[22].
 
الدليل الرابع: حديث أبـي هريــرة -رضي الله عنه - قال: قال رســول الله -صلى الله عليه وسلم-: " وأما خالد _ يعني : خالد بن الوليد -رضي الله عنه - _ فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سـبيل الله "[23].
 
الدليل الخامس: حديـث أنـس -رضي الله عنه - قال: أمـر النبـي -صلى الله عليه وسلم- ببنـاء المسـجـد، فقال: " يا بنـي النجـار، ثامِنُـوني بحائطكم هـذا  فقالـوا: لا، والله لا نطلب ثمنـه إلاَّ إلـى الله "[24]
 
الدليل السادس: قول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: " لم يكن أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذو مقدرة إلا وقَفَ "[25].
 
وهناك أدلة أخرى ووقائع كثيرة عن الصحابة رضي الله عنهم، فيها مشروعية الوقف وجوازه، بل ذكر ابن قدامة: أن الإجماع منعقد على ذلك، وأن الوقف مشهور بين الصحابة، لم ينكره أحد منهم، والذي قدر منهم على الوقف وقف[26]. وتقدم أن بعض الفقهاء لا يقولون بجواز الوقف فقط، بل يرون استحبابه.
 
خامساً: أهداف الوقف: يبدو للناظر المتأمل في مجمل أدلة مشروعية الوقف، أن هناك مقاصد وأهدافاً توخَّاها الإسلام في تشريعه للوقف، ومن أهم هذه الأهداف ما يلي:
 
الهدف الأول: تحقيق رغبات الإنسان الروحية في اكتساب الثواب المتجدِّد: وهذا هدف يسعى إليه عامة الناس بدواعي الفطرة، رغبة في المزيد من التقرب من الله تعالى بأعمال الخير والبر، التي تستمر بدوام أسبابها وأدواتها، ولو بعد موت صاحبها، وقد أومأ النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا في قوله: " من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعـده، فإنَّ شـِبَعَه، ورِيَّه، ورَوْثه، وبوله، في ميزانـه يوم القيامة[27]. قال ابن حجر رحمه الله: قوله: ( تصديقاً بوعده ). أي: الذي وعد به من الثواب، والأجر، والحسنات..[28].
 
ومن المقرر عند العلماء: أن الثواب يتجدَّد باستمرار الأعيان، والأدوات،  وأسباب الخير الموقوفة، ولو بعد موت واقفها[29].
 
الهدف الثانـي: إبقاء الواقـف للأعيـان من ماله من بعـده مـع الانتفـاع بريعها: لا يخفى أن في الوقف ضماناً لبقاء مال الواقف من بعده، ودوام الانتفاع به والاستفادة منه مدة طويلة؛ لأن الشيء الموقوف محبوس مؤبداً على ما قُصِد له، حيث لا يجوز لأحد التصرف فيه. وهكذا يبقى المال وتستمر الاستفادة من ريعه، ومن جريان أجره لصاحبه، وهذا معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ في الحديث الآنف ـ لعمر : -رضي الله عنه - ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ).
 
الهدف الثالث: تحقيق مفهوم الإسلام في تعزيز التقدُّم الشامل ومنه التقدم المعرفي: شرع الإسلام الوقف واعتبره سبباً من الأسباب التي تسهم في تحقيق التقدم وتعزيز الرقي الشامل في شتى المجالات: الدينية، والأخلاقية، والاجتماعية، والمعيشية، والعلمية، والثقافية …
 
ومما يدل على هذا في المجال الديني حديث: " من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة "[30]. ولا يخفى ما للمسجد من دور مهم وفعَّـال في التعريف بالإسلام، ونشر قِيَمِه وفضائله في المجتمع، وتعميق المشاعر الدينية، وصياغة الشخصية المسلمة وتعزيز سلوكها الاجتماعي.
 
أما توجيه الإسلام الوقف إلى مجالات التكافل الاجتماعي، والرخاء المعيشي، وتعزيز التنمية الاقتصادية، فيدل عليه حديث عثمان -رضي الله عنه - في بئر رومة، وحديث عمر -رضي الله عنه - في أرض خيبر، وقد سبق أن فيهما: توفير مياه الشرب والرِّي للناس، وتقديم المحاصيل والثمار الزراعية لهم مجاناً، ونحو هذا مما فيه نهوض بمستوياتهم المعيشية والاجتماعية، وبخاصة مستويات الضعفاء، والفقراء، وأبناء السبيل...
 
وأما توجيه الإسلام الوقف إلى مجالات وميادين النهوض الثقافي، والتقدم العلمي والمعرفي، وتعزيزها، فيدل عليه حديث: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل، أو نهراً أجراه، أو صدقـة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته "[31].
 
ويبدو للمتأمل في هذا الحديث: أن تخصيص النبي -صلى الله عليه وسلم- العلمَ والمصحفَ والمسجد بالذكر، فيه إشارة إلى عظيم دَوْر هذه المذكورات الريادي في مجالات النهوض الثقافي، والتقدم الفكري، والازدياد المعرفي والعلمي، فضلاً عن المجالات السلوكية، وذلك لما فيها من مؤثرات تعمل على تعميق وتوسيـع وتعزيز القاعدة الذهنية والمعرفية الفردية والمجتمعية، وتسهم في الارتقاء بالممارسات السلوكية الخاصة والعامة .
 
هذا، وليس عجيباً بعد وضوح أهداف الوقف وغاياته أن يُقْبل الصحابة ومن بعدهم - رجالاً و نساءً - على الوقف، وينوِّعوا أساليبه وطرقه وصوره، التي أسهمت – بحقٍّ وجدارة - في تحقيق التنمية الشاملة، وفي تعزيز التقدم الثقافي والعلمي والمعرفي، الذي قامت على أساسه الحضارة الإسلامية، التي نَعِمَ الناس بظلالها ومعطياتها، ولا يزالون.
 
يقول الأستاذ الدكتور يحيى ساعاتي: إن الوقف يُمثِّل بؤرة النهضة العلمية والفكرية العربية والإسلامية على مدار القرون، حيث أسهم الواقفون من الحكام والوزراء والعلماء والأفراد في مساندة المسيرة العلمية، وبالتالي إتاحة المعرفة لكافة طبقات المجتمع دون أدنى تمييز[32].
 
المبحث الثاني
 
تعريف التقدم المعرفي وبيان مترادفاته ومكانته في الإسلام
 
لا يخفى أن " التقدُّم المعرفي " هو بمعنى " التنمية المعرفية "، التي هي جـزء من " التنمية الشاملة ". وأن " التحدي المعرفي " المعاصر، جزء من التحدي الأكبر، ألا وهو التحدي لتحقيق " التنميـة الشـاملة "، ولم يَعُدْ الأمـر في حاجـة إلى جهد كبيـر لكي ندرك أن " الثقافة " و " العلم " ونحوهما من وسـائل المعرفة هي المدخل إلى مواجهة ذلك التحدي، والتعرف على أدواته والتغلُّب على صِعابه، وقد أصبح الحديث الرئيس اليوم في المجتمعات المتقدمة هو الحديث: عن بزوغ " مجتمع المعرفة " والتفاعل مع متطلباته ومقتضياته.
 
وبناء على هذا فإن الأمر يقتضي تعريف المترادفات والمصطلحات ذات الصلة، كالتقدم والمعرفة، والتنمية، ووسائل ذلك، وصوره من مثل: الثقافة، والعلم، وذلك لمواصلة الحديث عن موضوع: " دور الوقف في تعزيز التقدم المعرفي " ، ثم بيان مكانة التقدم المعرفي، والتنمية العلمية والثقافية في الإسلام، وسيكون هذا على النحو التالي:
 
أولاً: تعريف التقدم لغة: هو: مصدر للفعل الخماسي: تَقَدَّمَ، يُقال: تقدَّم فلانٌ: صار قُدَّاماً، ويراد بذلك: الانطلاق إلى الأمام، والسبْق إلى مرتبة أعلى[33]
 
ثانياً: تعريف المعْرِفة لغة: هي: بمعنى العِلْم نقيض الجهل، يقال: عرَفتُ الشيءَ معرفة: علمتُه وتبيَّنتُ حاله[34]، والمعرفةُ بالشـيء: علمُ كُنْهِهِ وإدراكُه بحقيقته، وهـذا يشـمل ما يُطلـق عليه اليـوم: العلـوم الإنسانية النظرية، والعلوم الطبيعية  التطبيقية التي تحتاج إلى تجربة ومشاهدة واختبار[35]
 
هذا، ولما كانت الثقافة والعلم من صور أنواع المعرفة، كان حريَّاً بنا أن نعرِّف بهما فيما يلي.
 
ثالثاً: تعريف الثقافة لغة: هي: اسم مصدر للفعل الثلاثي: ثَقُِف ( بفتح الثاء وبكسر القاف وضمها ). والمصدر: ثَقَْفاً ( بفتح الثاء و بسكون القاف وفتحها ). ويقال للواحد: مُثَقَّف، وثَقِْف ( بسكون القاف وكسرها ). وللثقافة معان عديدة،  منها: الفهم، والفطنة، والآداب، والمعارف، التي ينبغي أن تتوفر في الفرد العادي وأن يحذِق فيها[36].
 
رابعاًً: تعريف العلم لغة: هو: مصدر للفعل الثلاثي عَلِم ( بفتح العين وكسر اللام ). و من معانيه: معرفة الشيء وإدراكُه بحقيقته، وهذا يشمل ما تقدم ذكره مما يُطلق عليه اليوم: العلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية التي تحتاج إلى تجربة ومشاهدة واختبار[37].
 
خامساً: تعريف التنمية لغة: هي: مصدر للفعل الرباعي المتعدِّي بالتضعيف: نمَّى، أما فعلُه المجرَّد اللازم فهو: نَمَا. يقال: نَمَا الزرعُ، ونما المال، نُمُوَّاً. ويقال: نمَّى الرجلُ الزرعَ، ونمَّى الرجلُ المالَ تنمية ً… وكلٌّ من التعبيريـن يدل على حدوث الزيادة والكَثْرة[38]. ومع هـذا فيبدو لي: أن " النمو " يحدث تلقائياً بذاته، أما " التنمية "  فلا تتم بذاتها، بل بتدخل خارجي.
 
سادساً: تعريف التقدم المعرفي اصطلاحاً: من خلال ما سبق في التعريفيْن الأوَّليْن، يمكن القول: بأن التقدم المعرفي اصطلاحاً هو: مجموعة من العمليات، والنشاطات، والإبداعات الثقافية، والعلمية، والذهنية، التي تسهم في تحقيق النهضة الفكرية، والمعرفية لأي مجتمع، وتزيد في ارتقائه الإنساني، وتعزز وجوده الحضاري...
 
سابعاً: تعريف التنمية المعرفية اصطلاحاً: ظهر مصطلح ( التنمية الشاملة ) بقوة عقب الحرب العالمية الثانية، في كتابات كثير من المفكرين و المنظِّرين، وفي كتابات المنظمات الدولية، وذلك أثناء الحديث عن تجاوز ما خلفته الحرب من دمار وضياع للمنجزات البشرية الفردية والحكومية[39].
 
 ويكاد يجمع الباحثون والمهتمون بأمور التنمية عموماً، على أن التنمية المعرفية، ركن مهم يندرج في التنمية الشاملة لأي مجتمع، وأنه يراد بالتنمية المعرفية: الازدياد من الثقافات والعلوم وطرق التفكير والإبداع، والقدرات الذهنية والسلوكيات ونحوها من الإمكانات الأخرى، التي يمكن للإنسان اكتسابها وإفادة المجتمع بها، من أجل التقدم نحو الكمال الإنساني[40]
 
ثامناً: بيان مكانة التقدم المعرفي والتنمية الثقافية والعلمية في الإسلام: ليس من دين ولا نظام ولا قانون، حثَّ على التقدم المعرفي والتنمية الثقافية والعلمية كما فعل الإسلام، ومن القضايا التي تُسجَّل له حتى عند غير المؤمنين به: أنه دين النظر، والتفكير، والمعرفة، والعلم، والبحث، وهذه الأوصاف تلتقي ـ في الجملة ـ مع إحدى مقاصده الكلية الخمسة، في حفظ العقل وصيانته من الجهل، والخرافة، والضياع.
 
وكثيرة هي النصوص القرآنية والنبوية التي تدعو إلى طلب العلم والمعرفة، وإلى الازدياد منهما ، مع الحث على التدبُّر والنظر والتفكير، للتمييز بين الحق والباطل .
 
على أن دعوة الإسلام إلى تعزيز هذا النوع من التقدم المعرفي وزيادته، غايتُها خشيةُ الله تعالى وإعلاء كلمته، وباعثُها تكريم الإنسان، والعمل على النهوض والارتقاء به.
 
ومن النصوص الواردة في هذا المجال ما يلي:
 
1.       قول الله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق }[41]. وهي أول آية قرآنية نزلت، وفيها الدعوة إلى طلب العلم والمعرفة، دون أن يحد ذلك سن معينة، أو مرحلة دراسية يقف عندها طالب العلم والمعرفة.
 
2.       قول الله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون }[42].
 
3.       قول الله تعالى: { يرفعِ اللهُ الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات }[43].
 
4.       قول الله تعالى: { و قل رَّبِّ زدني علماً }[44]. وفي هذا إشارة إلى ضرورة تعزيز التقدم المعرفي وتنمية الفكر والعقل بالتعليم المستمر والمعرفة الدائبة، وهو ما يُنادي به اليوم كثير من رجال التربية والتعليم، ويعتبرونه أمراً لازماً ومهماً في تطوير المجتمعات ورقيها وازدهارها.
 
5.       حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: " تعلَّموا العلم، فإنَّ تعلُّمَه لله خشية، وطلبَه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمَه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله 
قُرْبة..."[45].
 
6.       حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: " طلب العلم فريضة على كل مسلم "[46]. وهو يشمل المسلمة أيضاً، كما هو معروف من عموم أحكام الشريعة، إلا ما خُصَّ بدليل.
 
7.       حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: " … إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً و لا درهماً، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر "[47].
 
8.       حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: " … كلُّ يوم لا أزدادُ فيه علماً يقرِّبني إلى الله تعالى، فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم "[48]
 
هذا، ومن خلال تتبع المادة العلمية لهذا البحث، وموضوعاته، ومصادره، تبين أن الوقف قد قام بدَوْر مهم في تعزيز وتقوية التقدم المعرفي والتنمية الثقافية والعلمية، عبر المساراتِ والمجالاتِ ـ المساجد وأئمتها وخطبائها وموظفيها ومستلزماتهم، والمدارس بشتى مراحلها وأساتذتها وطلابها ومتطلباتهم، والمكتبات والكتب بأنواعها ولوازمها ـ التي تنبَّه إليها المسلمون قديماً، فأقبلوا عليها بناءً، وإشادة، واهتماماً، ورعاية، وتطويراً، واستثماراً، ويتضح ذلك كلُّه في المباحث التالية:
 
المبحث الثالث
 
وقف المساجد ودوره في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي
 
أولاً: وظيفة المسجد: ليس المسجد في الإسلام مكاناً للعبادة فحسب، بل إن له إلى جانب ذلك دوراً بالغ الأهمية، في التنشئة الثقافية، والفكرية، والعلمية، والتقدم المعرفي، إضافة إلى كونه مصدر إشعاع تربوي واجتماعي. وهذا الدور للمسجد يتعاضد مع دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الأخرى.
 
فمِنَ المسجد تشع الثقافة الإسلامية الأصيلة، ويُعزَّز التقدم المعرفي، وينبعث الوعي الديني، ويُعرَف الحلال والحرام، وبخاصة مع كثرة وسائل الإعلام المضللة.
 
وفيه تُعرَف فضائل الإسلام وآدابه وأحكامه، ويجد المسلم القدوة الحسنة، ويحاكي الصالحين الأبرار، ويتعلَّم ضبط النفس، والصبر على الشدائد، والتحلي بالأمانة والعفَّة، وتحمُّل المسؤولية بعزم ورجولة، والحرص على الانضباط الاجتماعي، والاهتمام بالنظافة، وتعوُّد النظام…
 
وفيه يعرف الفرد وظيفته في المجتمع، ودوره في الحياة، وعلاقته بالأسرة والجيران والأصحاب، كلُّ ذلك من خلال ما يسمعه ويراه من كلام المتحدثين في الخُطَب والمواعظ والدروس العلمية، في المواسم والمناسبات اليومية والأسبوعية وفي غيرها …. لذا كان المسجد موضعَ الاهتمام المبكِّر من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي حثَّ علـى بناء المساجد، ورغب في إعمارها بالعبادة والتعلُّم والتعليم …
 
ثانياً: وقف المساجد في العهد النبوي: يعتبر مسجد قُباء في التاريخ الإسلامي أول مسجد يُبْنى ويوقف في سبيل الله، لأن النبي صلى -صلى الله عليه وسلم- أسَّسه حال قدومه مهاجراً من مكة إلى المدينة، وذلك قبل أن يدخلها و يستقر بها[49].
 
ثم قام ببناء المسجد النبوي عند مَبْرَك ناقته، وكان المكان أرضاً لبني النجار، فأراد أن يدفع لهم ثمنها فقالوا: ( لا، واللهِ لا نطلب ثمنه إلاَّ إلى الله … )[50]
 
ثالثاً: دور المسجد النبوي في العصر الأول: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعقد حلقات العلم في مسجده، ومن خلالها يُنمِّي ذهنيات أصحابه، ويرتقي بمستوياتهم المعرفية والسلوكية، ويغرس فيهم الآداب والفضائل والقيم الخيِّرة. قال صفوان بن عسَّال المُرادي -رضي الله عنه -: أتيتُ النبي  -صلى الله عليه وسلم- وهـو في المسـجد، فقلتُ له: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إني جئتُ أطلب العلم، فقـال: " مرحباً بطالب العلم، إنَّ طالب العلم تَحفُّه الملائكـة بأجنحتها "[51].
 
وقال أبو واقد الليْثي -رضي الله عنه - بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذهب واحد، فوقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمَّا أحدهما فرأى فُرْجَة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم. فلما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة ؟ أمَّا أحدُهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرضَ، فأعرضَ اللهُ عنه "[52].
 
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه - أنه مرَّ بسوق المدينة فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق، ما أعجزََكم! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقْسَم وأنتم ها هنا؟ ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سِراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لَكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة، قد أتينا المسجد فدخلنا فيه، فلم نرَ فيه شيئاً يقسم! فقال لهم: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى، رأينا قوماً يُصلُّون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم، فذاك ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم-[53].
 
وإضافة إلى هذه الحلقات العلمية التي كانت تُعقَد في المسجد النبوي، كانت هناك خطبُ الجُمَع، والأعياد، والمناسبات، التي كانت تطرأ على المجتمع الإسلامي، فيعالجها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه ومن بعدهم، بالإرشاد والتوجيه والتوعية والتعليم والتثقيف …
 
وكم خرَّج المسجد النبوي من صحابة وتابعين، وما زال يخرج علماء ومدرسين، في شتى فروع المعرفة، انتشر كثير منهم في أرجاء الأرض يبلِّغون الديـن ويعلِّمون الناس، ويغرسون الفضائل والقيم، ويسهمون في تعزيز التقدم المعرفي، والارتقاء بعقول الأفراد وتنمية المجتمعات…
 
رابعاً: إقبال السلف على بناء المساجد وتعزيز دورها: قال عثمان بن عفان -رضي الله عنه - سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً في الجنة "[54]. وفي ضوء هذا الترغيب يمكن اعتبار المساجد من أهم وأول المؤسسات الخيرية الوقفية، التي اهتم بها المسلمون عبر عصورهم الممتدة، فقد أقبلوا على بنائها ووقفها بحماس وسخاء، وإنك لا تجد مدينة أو بلدة أو قرية فيها مسلمون، إلا ويسارعون في بناء المساجد أوَّلاً، ويجعلونها وقفاً لله تعالى عن رغبة واختيار، طمعاً في عظيم ثواب الله…
 
ومن أشهر المساجد في تاريخ الإسلام بعد المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، الجامعُ الأموي بدمشق، الذي أنفق فيه الوليد بن عبد الملك الخليفة الأمــوي أموالاً طائلة، مما لا يكاد يصدِّقه الإنسـان[55]. وقد كان لوقوع هـذا الجامع في مدينة دمشق، التي كانت تُعدُّ مركزاً
 
ثقافياً وعلمياً مهماً خلال فترات طويلة من تاريخ الإسلام، أكبر الأثر في تعزيز التقدم المعرفي وتنمية الحركة العلمية فيه، واستخدامه في الأغراض التعليمية، حيث كانت _ ولا تزال _ تعقد فيه الحلقات العلمية والوعظية والتثقيفية التي تُسهم في الارتقاء الفكري والمعرفي فضلاً عن النمو السلوكي في حياة الناس.
 
وكم تردَّد على هذا المسجد الجامع من علماء أفذاذ، وطلاب علم، ملؤوا الدنيا خيْراً وبِرَّاً، وفضلاً وعِلْماً، ومعرفة وثقافة، وتصنيفاً وتحقيقاً …
 
ومن المساجد المشهورة في تاريخ الإسلام أيضاً: الجامعُ الأزهر في القاهرة، الذي كان _ ولا يزال _ يقصده طلاب العلم والمعرفة من شتى الأقطار والبلدان، لينهلوا من علوم الشريعة والعربية ومن العلوم الإنسانية والتطبيقية …
 
ومن المساجد المشهورة أيضاً: جامعا القيروان والزيتونة بتونس، وجامع القَرويِّين بالمغرب، وجامع نيْسَابور ـ في شرقي إيران اليوم ـ وجامع هرات في غربي أفغانستان، وجامع قُرْطبة في الأندلس، وغير ذلك مما هو منتشر في أصقاع بلاد الإسلام قديماً وحديثاً .
 
وقـد ذُكـر أن عـدد مسـاجد مدينـة قرطبـة الأندلسية ـ بأسبانيا اليوم ـ في القرن الثالث الهجري _ التاسع الميلادي _ بلغ ستمائة مسجد[56].
 
خامساً: إقبال المسلمين اليوم على إعمار المساجد وتعزيز دورها: لا يزال المسلمون ـ بحمد الله تعالى ـ إلى اليوم يُدركون أثر المسجد في تكوين الشخصية المسلمة، المتكاملة في جوانبها المعرفية والروحية والسلوكية، الخاصة والعامة، التي تُمارِس دورَها التنموي الفاعل في الحياة، ولهذا حرصت كثير من الدول الإسلامية، ومنها المملكة العربية السعودية على الإكثار من إشادة المساجد وبنائها في عموم مدن المملكة وبلْداتها وقراها، وفي خارج المملكة في البلدان الإسلامية، وفي غيرها في قارات أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا، والقيام على رعايتها مادياً ومعنوياً، وتعزيز دورها العلمي والثقافي والمعرفي.
 
ومن الجدير هنا: الإشارة أيضاً إلى النهضة الكبيرة التي شهدتها وتشهدها حلقات دراسة وتحفيظ القرآن الكريم، ودراسة اللغة العربية وغيرها من العلوم، التي تُعقَد في كثير من مسـاجد البلاد الإسلامية، وفي مقدِّمتها المملكة العربية السعودية، التي كان لها أوفر نصيب في هذا المجال، حيث بلغ
 
عدد تلك الحلقات المنتشرة في عموم المُدن والبَلْدات والقرى الآلاف، بل عشرات الآلاف، وأقبل عليها الغِلْمان والشباب في كافة مراحلهم الدراسية والعُمْريَّة، مما كان له الأثر الفعَّال في تعزيز التقدم الثقافي والمعرفي الديني، فضلاً عن تنمية سلوكهم الأخلاقي والمجتمعي، واستثمار طاقاتهم وإمكاناتهم في طلب العلم والمعرفة، وفي العمل الجماعي المنتج، بدلاً من إفنائها وتضييعها في مسالك اللهو والانحراف والجريمة، كما هو مشاهد في بعض البلدان...
 
هذا، وقد حرصت أيضاً الجاليات المسـلمة المقيمة في غير البلاد الإسلامية على بناء المساجد ووقْفهـا، حتى بلغ عددها في هولندا ـ مثلاً ـ ثمانية عشر مسجداً، بل بلـغ عددُها في مدينة بروكسـل _ وحدها _ عاصمة بلجيكا عشـرين مسجداً[57]، وذلك من أجل إفساح المجال أمام المساجد في أداء وظيفتها في تعزيز التقدم المعرفي للمسلمين هناك، وتحقيق أهداف تلك الجاليات الإسلامية في الحفاظ على الهوية الإسلامية، وأداء الواجبات الدينية، وبعث الفكر الديني الرشيد، ونشر الأحكام والفضائل الإسلامية، وتنمية السلوك الفردي والمجتمعي في نفوس المسلمين هناك، الذين تتزايد أعدادهم في تلك الأصقاع، إضافة إلى سعيهم الصادق إلى حفظ أولادهم وصيانتهم عن المفاسد والانحراف في تلك البيئات الفاتنة، وملء بعض أوقاتهم بالتردُّد على تلك المساجد، والإفادة منها في دراسة وحفظ القرآن الكريم ودراسة العلوم الأخرى المتاحة كالعربية والرياضيات والعلوم واللغات، والاستماع إلى المحاضرات والندوات، والمشاركة في اللقاءات، والنشاطات، والمسابقات الثقافية والاجتماعية والترفيهية، التي تعقد في تلك المساجد والمراكز الإسلامية...
 
سادساً: الوقف على مستلزمات المساجد: تحتاج المساجد إلى دعائم بشرية تُسهم في التنمية الدينية والعلمية وتعزيز التقدم المعرفي، وتتفرغ لحراسة العقيدة ورعاية الشعائر الإسلامية، وتبذل العلم والمعرفة لطلابهما.
 
وقـد أدرك المحسنون من المسـلمين ـ قديماً وحديثاً ـ هـذه المعاني، فوقفـوا الأموال الكثيـرة _ المنقولة وغير المنقولة _ على أئمة المسـاجد وخطبائها والمعلمين والمؤذنين فيها، كما
 
وقفـوا على طـلاب العلم الذيـن يَجْلسـون في حلقاتها الدراسـية، وعلى القائمين برعايتها وإضاءتها وتنظيفها … ويسَّروا للجميع أسباب السكنى والمعيشة[58]، لضمان استمرارهم في أداء رسالتهم وتحقيق مزيد من التنمية العلمية والمعرفية، وإيجاد الفرد الصالح في شتى ميوله واتجاهاته.
 
وقد ذُكِر أن مئات الآلاف من دنانير الذهب، وُقفت مراراً عبر العصور الإسلامية على خطباء المساجد وأئمتها، وعلى المعلمين والطلاب والمؤذنين فيها، وعلى الفرَّاشين والموظَّفين الآخرين[59].
 
كما وُجِّهت كثير من الأموال الموقوفة إلى بناء المساجد وترميمها، وشراء ما يلزمها من طنافس، وسُرُج، وقناديل، وشموع، وسُتور توضع على الأبواب والنوافذ، لتُيسِّر العبادات على المصلين، وتمكِّن الأساتذة والطلاب من التعليم والتعلُّم والوعظ والإرشاد[60]. يضاف إلى هذا وقف الآبار، وأحواض المياه، وأماكن الطهارة وأدواتها من أباريق ونحوها...[61].
 
ولا يخفى أن هذه الصور الكريمة لا تزال تتجدَّد اليوم في مجتمعاتنا المعاصـرة، من خلال إقبال الحكومات[62]، والأثرياء من المسـلمين ـ بل الأفراد العاديين من المسلمين ـ على التبرع للمساجد والإسهام في الوقف على مستلزماتها واحتياجاتها.
 
إن الصور والحالات السابق ذكرها في الوقف على المساجد ومستلزماتها البشرية وغيرها، أسهمت إسهاماً حقيقياً في إيجاد الوعي الثقافي، وتنشيط الحركة العلمية، وتعزيز التقدُّم المعرفي، ونشر القيم الدينية والأخلاقية، فكان الناس ولا يزالون يقبلون على المســاجد ينهلون منها الفضـائل والآداب الاجتماعية، والثقافات والعلوم النافعة، دون أن يعرفوا ظرفاً زمانياً أو مكانياً يحول بينهم وبين التردُّد عليها؛ لترشيد سلوكهم وتنمية عقولهم وعلومهم ومعارفهم وممارساتهم الحياتية، بل كان شعار كل واحد منهم: طلبُ العلم من المهد إلى اللحد.
 
المبحث الرابع
 
وقف الكتاتيب (مدارس التعليم الابتدائي) ودوره في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي
 
أولاً: تعريف الكتاتيب: هي: جمع  كُتَّاب . وهو: مكان للتعليم الأساسي، كان يقام _ غالباً _ بجوار المسجد، لتعليم القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وشيء من علوم الشــريعة والعربية، والتاريخ والرياضيـات … وهو أشبه بالمدرسة الابتدائية اليوم[63].
 
ثانياً: نشأة الكتاتيب عند المسلمين: انطلق العمل بفكرة إنشاء الكتاتيب في وقت مبكِّر في تاريخ الإسلام، وذلك في السنة الثانية من الهجرة النبوية ونشوء الدولة الإسلامية، وهذا ما توضِّحه الرواية المشهورة التي فيها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل فداء بعض أسرى بدر ممَّن لا مال لهم، أن يُعَلِّم الواحد منهم عشـرةً من الغلمان الكتابة فيُخَلَّى سـبيلُه، فكان ممَّن تعلَّم منهم زيْـدُ بن ثابت -رضي الله عنه -، وأضاف ابن كثير: أن غلاماً من هــؤلاء المتعلِّمين جاء إلى أمه يبكـي، فقالت له: ما شـأنُك؟ فقال: ضربني معلِّمي...[64]
 
هذا، ولم يقتصر هذا التعليم الابتدائي الأساسي في الكتاتيب على الغلمان الصغار، بل اتسعت هذه الفكرة لتشمل الكبار من الرجال الأميين، ويدل على ذلك ما هو مروي عن عبد الله بن سعيد بن العاص -رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يُعِّلم الناس الكتابة بالمدينة، وكان كاتباً محسناً[65].
 
ويؤكد هذا ما قاله عبادة بن الصامت -رضي الله عنه -: " علَّمتُ ناساً من أهل الصُّفة الكتابة والقرآن..."[66]
 
وذكر الكتاني رحمه الله: أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يُسْلمون شيوخاً وكهولاً وأحداثاً، وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن[67].
 
وفي هذه الصور من التعليم الأساسي للأميِّين الكبار يصدق قول البخاري رحمه الله: وقد تعلَّم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في كِبَرِ سِنِّهم[68].
 
هذا، وبعد انطلاق فكرة التعليم الابتدائي وتعليم الكبار في العهد النبوي، توسَّع العمل بذلك في عهد عمر -رضي الله عنه -، ومما يدلُّ على هذا: أن أطفال الكُتَّاب في المدينة النبويـة، خرجوا إلى  ظاهرها  فـي يوم خميس، لاسـتقبال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - عند عودتــه من رحلـة فتـح بيت المقدس، فأصـابهم مـن السـير علـى الأقدام _ في الذهاب والإياب _ عناء شديد، فأشار عمر -رضي الله عنه - ألا يذهب الأطفالُ إلى الكُتَّاب في يوم الجمعـة التالي، ليسـتريحوا ممَّا نالهم، وصـار الأمر بعـد ذلك عادة متَّبعة، في أن يكون يومُ الجمعة يومَ راحة وإجازة، ليس لأطفال الكتاتيب وحدَهم، بل لسواهم من المشتغلين في دواوين الدولة وإداراتها...[69].
 
كما استمر العمل في زمن عمر -رضي الله عنه - بما يمكن أن يُطلق عليه اليوم: " البرنامج الإلزامي لتعليم الأميين الكبار "، ويدل على هذا أن عمر -رضي الله عنه - جعل في المدينة رجالاً يفحصون المارَّة، فمن وجدوه غير متعلِّم أخذوه إلى الكُتَّاب[70].
 
ثالثاً:انتشار كتاتيب الغلمان والبنات في البلدان الإسلامية: انتشرت الكتاتيب انتشاراً كبيراً ومبكراً في العواصم والمدن الإسلامية، فما من مدينة أو بلدة أو قرية فتحها المسلمون إلا وأنشئوا فيها كتاتيب لتعليم أولادهم الذكور والإناث.
 
قال غياث ابن أبي شبيب: كان سفيان بن وهب -رضي الله عنه - صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمرُّ علينا، ونحن غِلْمان بالقيْروان ـ بتونس ـ فيسلِّم علينا في الكُتَّاب، وعليه عِمامة قد أرخاها من خلفه...[71].
 
وكانت الكتاتيب من الكثرة، بحيث عدَّ ابنُ حوْقَل ثلاثمائة كُتَّاب في مدينة واحدة من مدن جزيــرة صقلية ـ في جنوبي إيطاليا اليــوم ـ وكان بعضُها من الاتساع بحيث يضم المئات، بل الآلاف من الطلاب، وذلك في القرن الثالث الهجري وما بعده[72].
 
ومما يُروى أن أبا القاسم البَلْخي، كان له كُتَّاب يتعلَّم فيه ثلاثة آلاف تلميذ، وكان المكان فسيحاً جداً، بحيث إن أبا القاسم كان يحتاج إلى ركوب حمارٍ له، ليتردَّد بين طلابه، وليُشْرف على شؤونهم[73].
 
هذا، ولم تكن الكتاتيب خاصة بالغلمان فقط، بل كان للبنات والكبيرات الأُميَّات منـها نصيب، ويـدل علـى هــذا قولُ النبي -صلى الله عليه وسلم- للشِّفاء بنت عبد الله العدَويَّة: " علِّمي حَفْصة رُقْية النُّمْلة ـ قروح تخرج في جنْب جسم الإنسان ـ كما علمتيها الكتابة "[74].
 
وكانت معظم كتاتيب البنات ومدارسهن في البيوت الخاصة، أو في بيوت الحكام والعلماء والمحسـنين الواسعة، أوفي قصور الميسورين من أهل الخير والفضل والنزاهة..[75].
 
وكان يقـوم على تعليم هؤلاء البنات معلِّمات فاضلات موثوقات ـ كما سيأتي بيانه ـ وقد خلَّد التاريخ أسماء العديد منهن، حيث كُنَّ منارات لمجتمعاتهن في الإرشاد والتوجيه والتثقيف والتقدم المعرفي.
 
ومما يُروى في أماكن التعليم الابتدائي الأساسي للبنين والبنات: أن مؤدِّباً كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب بتونس، وكان يُعلِّم الأطفال في أول النهار، والبنات في آخره[76].
 
كما يُروى أيضاً: أنه كان هناك الكثير من المعلِّمات الفاضلات اللواتي كنَّ يَقُمْن بمهمة التعليم الجليلة في بيوتهن...[77].
 
وكم خلَّد التاريخ أسـماء نسـاء تعلَّمن علوم الدين، والعربية، والثقافة العامة، وغيرها من العلوم المساعدة في الكتاتيب، ثم أسهمن في تعزيز التقدم المعرفي، والمشاركة في التنمية العلمية، والثقافية، والأسرية، والاجتماعية...[78].
 
رابعاً: من مشاهير المعلمين والمعلمات في التاريخ الإسلامي: اتصف معلمو ومعلمات الكتاتيب بالخصال الرشيدة، وكان لا يتولى هذه المهمة إلا من اشتُهر بحسن الخلق والعفاف، مع الخبرة التامة في قراءة القرآن الكريم، والإلمام بالحديث الشريف، ومعرفة علومهما، إضافة إلى معرفة علوم العربية ونحوها من العلوم المساندة، التي تُكوِّن الثقافة الأساسية الابتدائية عند الغلمان والبنات.
 
ومن مشاهير المعلمين: أبو علي شقران بن علي الهمذاني، المتوفى سنة 168 هجرية، وكان من فقهاء تونس وعُبَّادها[79].
 
ومنهم: أسَد بن الفُرات فاتح صقلية، الذي استُشْهد فيها سنة 213 هجرية، وكان قد عمل في بدايـة حياته معلِّماً للغلمان، ثم رحـل إلى المشـرق للاســتزادة من العلم، ثم تولَّى القضاء في القيروان، ثم فتح صقلية واستشهد فيها، واشتهر بالاستقامة والشجاعة وسَعة العلم والفقه في الدين[80].
 
ومنهم: حَسْنون الدباغ، وعاش في القرن الثالث الهجري، وكان من الصالحين المخْبِتين[81].
 
ومن المعلمين والمؤدبين: مِحْرِز بن خلَف ابن أبي رَزِين، كان يعلم الصبيان أصول الدين والعربية والأخلاق والفضائل، وعاش بتونس وكان ورعاً جليلاً مهاباً، توفي سنة 413 هجرية[82].
 
ومنهم: صالح الكلبي، وأبو عبد الرحمن السلمي، ومعبد الجهني، وقيس بن ســعد، وعطاء بن أبي رَبــاح، والكُمَيْت الشـاعر ، وعبد الحميد كاتب بني أمية، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، والزُّهري، والأعْمش، والحجَّاج بن يوسف...[83].
 
ومن المعلمات المربِّيات: الصحابية الشِّفاء بنت عبد الله العدوية، وعابدة الجهنية المتوفاة ببغداد في عام 348 للهجرة، وآيغر بنت عبد الله التركية المتوفاة في دهستان عام 540 للهـجرة، وشمس الضحى بنت محمد الواعـظ المتوفاة بمكة عام 583 للهجرة، و عائشـة زوجة شـجاع الدين بن الماغ المتوفاة بدمشـق عام 655 للهجـرة، وعائشة بنت إبراهيم الغدير، المتوفاة بدمشق عام 718
 
للهجـرة، و فاطمة  بنت محمد السمرقندي، المتوفاة بحلب عام 570 للهجرة، ووجيهة بنت المؤدب، المتوفاة بمصر عام 732 للهـجرة، ورقية بنت عبد السلام المدنية، المتوفاة بدمشق عام 815 للهـجرة، والهَمَّاء بنت يحيى، المتوفاة باليمن عام 837 للهـجرة، وزينب  ابنة علي السبكي، المتوفاة بمصر في القرن التاسع الهجري، وعائشة بنت الخضر، المتوفاة بمكة عام 837 للهجرة، وأم عيسى البغدادية، المتوفاة ببغداد في القرن الثالث عشر الهجري...[84].
 
خامساً: الإنفاق على الكتاتيب: قام كثير من الخلفاء والحكام والقضاة بالإنفاق على العديد من الكتاتيب التي انتشرت في طول البلاد الإسلامية وعرضها، وكثيراً ما وقف الأثرياء المحسنون من التجار وغيرهم العقارات والمنقولات العينية وبعض أموالهم الأخرى لتكون سيولة وأرصدة مالية مستمرة، تُنفَق على الأساتذة والطلاب، وعلى ما يحتاجون إليه من وسائلَ وأدوات تعليمية ومرافق أخرى[85]، وكان كثير من هؤلاء المحسنين يقومون بتوفير الأثاث للمتعلمين، فضلاً عن المياه والحطَب للدفء في الشتاء القارس...[86]، وبهذا حققوا في وقت مبكر ما تسعى إليه كثير من الدول اليوم مما يطلق عليه: " مجانية التعليم ".
 
بل كان بعض المحسنين يرفد تلك الكتاتيب بجوائز ومكافآت مالية وعينية، وربما اشترى للمتعلمين الفاكهة ليأكلوها، والطِّيِب ـ العُطُورات ـ ليدْهَنوا به رؤوسَهم، وذلك إكراماً لهم، وتشجيعاً على التعلُّم والدرس، ومن الطرائف المروية في هذا: أن هاشم بن مسرور التميمي ـ أحد فضلاء ومحسني القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي ـ كان يطوف على الكتاتيب في القيروان، ومعه الجوائز العينية والنقدية والطيب والفاكهة وغيرها، فيوزِّعها على الصبيان المتعلِّمين عموماً، ويخُصُّ الفقراء والأيتام منهم بأعطياته النفيسة، وذلك تشجيعاً لهم على طلب العلم، ومواساة وإكراماً للفقراء والأيتام منهم[87].
 
وذكروا أن بعض أهل تونس خصَّصوا أوقافاً نقدية، تُوزَّع  في كل يوم خميس على الغلمان المتعلِّمين، بعد سؤالهم في جميع ما قرؤوه وتعلَّموه خلال الأسبوع؛ بعثاً لهِمَمِهم، وتسْريةً لنفوسهم، وترويحاً لخواطرهم[88].
 
سادساً: المناهج الدراسية للتعليم الابتدائي في الكتاتيب: تشير الروايات التاريخية إلى أن المناهج الدراسية في المرحلة الابتدائية الأساسية كانت تشتمل على تعليم القرآن الكريم وبعض علومه ـ بأسلوب سهل مبسَّط ـ قراءةً وحفظاً وتجويداً وتفسيراً، كما كانت تشتمل على التعريف بأحكام الصلاة والصوم ونحوهما من العبادات المألوفة المتكرِّرة.
 
وكانت المناهج تشتمل أيضاً على تعليم القراءة والكتابة، وقواعد الخط الجميل، وقواعد النحو الميسَّر، وحفظِ بعض الأشعار والمتون، التي تتضمَّن معالم الأحكام والآداب الدينية والاجتماعية والأخلاقية.
 
وكان يتم في الكتاتيب أيضاً تعليم العمليات الحسابية الأربعة ونحوها، والمعلومات العامة الأولية في التاريخ والجغرافيا والعلوم، ونحو ذلك من المهارات الحياتية والاجتماعية والسلوكية، التي يحتاجها تلاميذ المدارس الابتدائية في كل زمان ومكان، مما يسهِّل عليهم أمور حياتهم العامة، ويعوِّدهم على تحمُّل المسؤولية المتوافقة مع قدراتهم[89].
 
سابعاً: دَوْر الكتاتيب في تعزيز التقدم الثقافي والعلمي: استمرت الكتاتيب في القيام بدورها الثقافي والعلمي والتربوي في المجتمعات الإسلامية، في شتى العواصم والمدن والبلدات والقرى، وربما تعدَّدت الكتاتيب في الحيِّ الواحد، مثلما تعدَّدت المساجد.
 
وقد حفَلت المكتبة الإسلامية بالعديد من الكتب التي صنَّفها العلماء والمعلِّمون والمؤدِّبون ونحوهم، وضمَّنوها أسماءَ وتراجم أشـهرِ المعلِّمين والمؤدِّبين في التاريخ الإسلامي، وذكروا واجباتِ المعلِّم والمتعلِّم، وطُرَقَ التربية والتعليم، وما يضْمنُه المعلِّم حال إضـراره بالمتعلِّم وضربه وتأديبه، ونحو هذا من الأحكام  الفقهية، والأولـوياتِ التي يُبْــدَأ بها في الحركـة التعليمية، وغيـر ذلك مما  تؤيِّـده كثيـر مـن النظريات والأفكار التربوية والتعليمية المعاصرة[90].
 
إنه ينبغي أن لا يغيب عن البال أن هذه الكتاتيب كانت نقطة الانطلاق للحضارة الإسلامية، حيث كانت تُعِدُّ الأجيال الناشئة لمواصلة الدراسة والبحث والتخصُّص العلمي الدقيق، بعد أن تُزوِّدهم بمبادئ التحصيل، وتصقل مواهبهم، وتُنمِّي ثقافاتهم وعلومهم وسلوكهم الاجتماعي،وتُعزِّز معارفهم وقاعدتهم الذهنية؛ ليصبحوا فيما بعد قادة الفكر والعلم والتربية.
 
واستمرت تلك الكتاتيب تستمد الرعاية والعناية من الخلفاء والحكام والأثرياء المحسنين والعلماء العاملين، فأنبتت في كثير من الأحيان نباتاً صالحاً، أيْنع ثمارُه في مشاهير الحكام والقادة والعلماء والحكماء والفقهاء الذين قادوا المجتمعات الإسلامية نحو المجد والسؤدد.
 
ثامناً: أفول نجم الكتاتيب والدعوة إلى إرجاعها: ثم مضت تلك القرون المِعْطَاءَة، وحلَّ الوهَن والشيخوخة في بقايا الكتاتيب، حتى أُلغيت في كثير من الأقطار الإسلامية، أو تقلَّص دورها، لتنهض به _ من بعض الوجوه _ المؤسسات التعليمية الحديثة.
 
هذا، وقد أصدرت العديد من الجهات العلمية والتربوية والبحثية ـ منها المجلس القومي للتعليم والبحث العلمي بمصر ـ توصيات عدة، تُطالب فيها بضرورة إعادة دَوْر " الكتاتيب " وتفعيله كجهة مساندة للمؤسسات التعليمية الحديثة، في تحفيظ القرآن الكريم، وتعليم اللغة العربية، وتعميق القيم الدينية، وغرْس الخُلُق والفضيلة، ورعاية النَشْء، وصياغتهم صياغة سليمة، وبخاصة قبل دخولهم إلى المؤسسات التعليمية الحديثة؛ وذلك لما يُشهَد لهذه الكتاتيب ما قامت به من دور تاريخي ملموس وفعَّال في صياغة الأجيال الإسلامية، وقد تأيَّدت هذه الرغبات والتوصيات بنتائج استفتاءات أجريت في العديد من المواقع الالكترونية...[91].
 
*****
 
أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض
 
المراجع و الهوامش،،،
 
 
[1]لسان العرب: مادة: ( وقف ) و ( حبس ).
[2]المصباح المنير والمعجم الوسيط: مادة: ( وقف )
 
[3]المصباح المنير: مادة: ( وقف ).
 
[4]حاشية القليوبي 3/97 وإعلام الموقعين 2/34 والتعريفات ص 353 .
[5]أخرجه البخاري 2/982 ومسلم 3/1255
 
[6] ينظر: فتح الباري 5/401
 
[7]الأصـــل في هـذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم- لعمر - رضي الله عنه -: ( احبس أصلها وســبِّل ثمرتها ) رواه أحمد في المســند 2/114 والنسائي في الســنن 6/232 وابن ماجه في الســنن 2/54 و الحديث صحيح كما في صحيح ســنن النسـائي 2/763 ، وورد عند الشيخين ـ كما تقدم آنفاً ـ بلفظ: ( إن شئت حبَّست أصلها و تصدَّقت بها )، وســيأتي في مناسبته ـ قريباً ـ ذكره بتمامه .
 
[8]نيل الأوطار 6/20 و 23
 
[9]الأصل في هذا حديث: ( إذا مات الإنســان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) . رواه مسلم 3/1255 .
 
[10]الأصل في هذا ما جاء في حديث عمر الآنف في أرضه بخيبر، وانظر: الصحاح والقاموس المحيط والمعجم الوسيط: مادة: ( حبس ) و ( وقف ).
 
[11]المصباح المنير: مادة: ( حبس ).
 
[12]ينظر: كفاية الطالب 2/210 والثمر الداني ص549.
 
[13]ينظر: الاختيار 3/40 ومنح الجليل 4/33 وأسنى المطالب 2/457 والإنصاف 7/3 .
 
[14]ينظر: المبدع 5/312 والاختيار 3/40 ومنح الجليل 4/33 وأسنى المطالب 2/457 .
 
[15]المغني 8/185 وانظر: المقدمات الممهدات 2/417 وإعلاء السنن 13/ 116.
 
[16]من هذه الآيات قوله تعـالى: ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنســاء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً ). النساء /7 .
 
[17]ورد بهذا اللفظ في المغني 8/185 ونيل الأوطار 6/22 _ 23 وذكر الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفـة 1/293 : أن لفظه: ( لا حبْس _ أي: لا وقف _ بعد سورة النساء ). وأن الحديث ضعيف، أخرجه الطحاوي في شرح سنن الآثار 2/250 والطبراني في الأوسط 3/114 والبيهقي في سننه 6/162 من طريق عبد الله بن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة عن ابن عباس قال: سمعت رسـول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول بعدما نزلت سـورة النساء وفرضت فيها الفرائض، فذكر الحديث . وابن لهيعة و أخوه ضعيفان عند أهل الحديث.
 
[18]سبق تخريجه آنفاً.
 
[19]أسنى المطالب 2/457 ونيل الأوطار 6/21-23 .
 
[20]رواه النسائي في السنن 6/234 والترمذي في السنن 5/586 وقال: هذا حديث حسن. وبئرُ رومة واحدة من الآبار السبعة التي كان يشرب منها أهل المدينة في العصر النبوي، وكانت في أرض غربي الخندق يقال لها: رومة، وقيل: هي منسوبة إلى " رومة " أحد مالكيها قبل عثمان - رضي الله عنه -. ينظر: فتح الباري 9/568 وفيض القدير 6/286 ورحلة ابن جبير 1/146
 
[21]رواه النسائي في السنن 6/235 وهو صحيح كما في صحيح سنن النسائي 2/765.
 
[22]سبق ذكر جزء من هذا الحديث وتخريجه.
 
[23]رواه البخاري 2/534 ومسلم 2/676.
 
[24]رواه البخاري 3/1022ومسلم 1/373 .
 
[25]الذخيرة 6/323 و المغني 8/186 والبحر الزخار 5/148 ، ولم أجده فيما رجعت إليه من كتب الحديث.
 
[26]المغني 8/186.
 
[27]رواه البخاري 3/1048.
 
[28]انظر : فتح الباري 6/57 .
 
[29]الاختيار 3/41 ونيل الأوطار 6/21 .
 
[30]رواه البخاري 1/ 172، ومسلم 4/ 2287.
 
[31]رواه ابن ماجه في السنن 1/44، والبزار في المسند 1/149، وضعَّفه الهيثمي في مجمع الزوائد 1/167 وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/140
 
[32]الوقف وبنية المكتبة العربية ص 9
 
[33]الصحاح والمعجم الوسيط: مادة: ( قدم ).
 
[34]الصحاح والمعجم الوسيط: مادة: ( علم ).
 
[35]المرجعان السابقان: مادة: ( علم )، وتنظـر: الموسوعة العربية العالميـة، المصطلحات التاليـة: ( التعلم ) 7/15، و ( العلم ) 16/366، و ( الفلسفة ) 17/457ـ 459
 
[36]الصحاح والمعجم الوسيط: مادة: ( ثقف ).
 
[37]المرجعان السابقان: مادة: ( علم ).
 
[38]الصحاح والمعجم الوسيط: مادة: ( نما ).
 
[39]المعجم النقدي لعلم الاجتماع، مصطلح: ( تنمية ) ص 205 و 209.
 
[40]ينظر: قاموس المصطلحات السـياسية والاقتصادية والاجتماعية مادة: " التنمية " ص 164- 165 والحضـارة والثقافة والمدنية ص 20 و 22.
 
[41]العلق /1.
 
[42]الزمر /9.
 
[43]المجادلة /11.
 
[44]طه/ 14
 
[45]رواه الربيع بن حبيب في مسنده 1/ 30، وابن عبد البر في كتاب العلم، وهو حديث حسن كما في الترغيب والترهيب 1/66.
 
[46]رواه ابن ماجه في السنن 1/48 والحديث له طرق عديدة ضعيفة كما في مجمع الزوائد 1/119_120, وإنما ذُكـر هنا للتأكيد على اهتمام الإسـلام وعنايته بتعزيز التقـدم المعرفـي وبالتعليم المستمر والتنمية الثقافية والعلميـة المستدامة .
 
[47]رواه أبو داوود 3/317  والترمذي 5/47 وأحمد في المسـند 5/196 و إسـناده حسن كما في هامش جامع الأصول 8/6.
 
[48]رواه الطبراني في المعجم الأوســط 6/367 واسحق بن راهويه في المسند 3/553 ورواه أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في كتاب العلم، وفي ســنده ضعف، كما في كشف الخفاء 2/126
 
[49]السيرة النبوية 2/158.
 
[50]تقدم تخريجه.
 
[51]رواه أحمد في المسند 4/239 والحاكم في المستدرك 1/25 وقال: إسناده صحيح، ورواه الطبراني في المعجم الكبير 8/54، وابـن حبان في صحيحــه كما فــي الترغيب والترهيب 1/66، وقال: إســناد الطبراني جيد.
 
[52]رواه البخاري 1/36 ومسلم 4/1713
 
[53]رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن كما في الترغيب والترهيب 1/74
 
[54]رواه البخاري 1/ 17 ومسلم 1/378
 
[55]المنتظم 6/285 – 287
 
[56]من روائع حضارتنا ص 171
 
[57]إدارة وتثمير ممتلكات الأوقاف ص 343
 
[58]المعيار 7/334 و 337 ومجموع الفتاوى 31/43 ومن روائع حضارتنا ص 130-131
 
[59]الوقف في العالم الإسلامي ص 79 ومن روائع حضارتنا ص 125 و 129 و 131 و171
 
[60]المعيار 7/112 و 272 ومجموع الفتاوى 31/70 و 212 والمرجعان السابقان.
 
[61]المعيار 7/343 ومجموع الفتاوى 31/69 – 70 و 208 .
 
[62]بلغ عدد ما بنته الحكومة السعودية خلال العشرين سنة الماضية ( 1359) مسجداً، وتولت بناء ثمانية عشر مركزاً إسلامياً في العديد من دول العالم، انظر: " وقل اعملوا " ص 32، وهو تقرير سنوي نشرته الندوة العالمية للشباب الإسلامي عام 1426هـ
 
[63]المعجم الوسيط: مادة (كتب). وينظر: من روائع حضارتنا ص 129 وآداب المعلمين ص 41 – 45
 
[64]البداية والنهاية 3/328 وينظر: التراتيب الإدارية 1/48 ـ 49، وأضواء البيان 9/20
 
[65]التراتيب 2/48 وأضواء البيان 9/ 19، ولم أجد هذا  الخبر في غيرهما.
 
[66]مسند أحمد 5/ 315 وسنن أبي داود3 /264 وسنن ابن ماجه 2/370 ومستدرك الحاكم وصححه 2/48
 
[67]التراتيب الإدارية 2/234
 
[68]قاله البخاري في: كتاب العلم، رقم الباب ( 15): الاغتباط في العلم والحكمة.
 
[69]التراتيب الإدارية 2/294
 
[70]التربية والتعليم في الأندلس ص 160، ولم أجد هذا الخبر فيما رجعت إليه من كتب الحديث والآثار.
 
[71]معالم الإيمان 1/120
 
[72]من روائع حضارتنا ص 129
 
[73]المرجع السابق ص 129
 
[74]سنن النسائي 4/366 وسسن أبي داوود 4/11 ومسند أحمد 6/372 ومستدرك الحاكم 4/63 ومصنف ابن أبي شـيبة 5/43 والمعجـم الكبير للطبـراني 24/316 والتمهيد لابـن عبد البـر 23/157 ومسـند إســحق بن راهويه 5/78 وقال: إسناده حسن ورجاله ثقات كلهم، وذكــر النووي في المجمـوع 9/62 أن إسـناد أبي داود صحيح.
 
[75]ترتيب المدارك 4/349 وطبقات علماء أفريقية ص 131
 
[76]طبقات علماء إفريقية ص 131
 
[77]آداب المعلمين ص 41 وتراجم أعلام النساء ص 16 و 58 و 85 و 145
 
[78]انظر: ترتيب المدارك 4/349 وأعمال الأعلام 2/442 وتراجم أعلام النساء ص 80 و 107
 
[79]طبقات علماء إفريقية ص 61 ومعالم الإيمان 1/208 و 215
 
[80]طبقات علماء إفريقيـة ص 80 و 83 وترتيب المـدارك 3/291 و 309 وطبقات الفقهاء للشـيرازي ص 155 و156
 
[81]طبقات علماء إفريقية ص 64
 
[82]مناقب محرز بن خلف ص 17 وترتيب المدارك 4/712 – 715
 
[83]آداب المعلمين 148 – 149
 
[84]تُنظَر سِيَر هؤلاء المعلمات الفاضلات في كتاب: تراجم أعلام النساء، وذلك بحسب ورود اسم كل واحدة.
 
[85]تاريخ ابن عساكر 1/308 و 3/25 ومعالم الإيمان 1/228 و 2/75
 
[86]ترتيب المدارك 4/712 ومناقب محرز بن خلف ص 17
 
[87]معالم الإيمان 2/75 و235 ـ 236
 
[88]الوقف في الفكر الإسلامي 1/ 136
 
[89]ينظر: آداب المعلمين ص 102 و 136 ومن روائع حضارتنا ص 129
 
[90]ينظر: آداب المعلمين ص 75 و 88 و 98
 
[91]ينظر: مجلة " الفيصل " العدد 275، وموقع " أخبار التربية والتعليم " في المملكة العربية السعودية بقلم ناصر الحجيلان بتاريـخ 25/9/1428هـ الموافق 7/10/2007م، وموقـع "باب المقال " بتاريــخ 25/4/2008م.

المصدر : 
http://fiqh.islammessage.com/NewsDetails.aspx?id=4255