مركز رافد
أخي الزائر برأيك ماهي أكثر المجالات التي تفتقر إلى أوقاف !




الفلم التعريفي لرافد
مسائل مختصرة في أحكام الوقف
مسائل مختصرة في أحكام الوقف
15 اغسطس 2016 - 12 ذو القعدة 1437 هـ( 823 زيارة ) .

 

مسائل مختصرة في أحكام الوقف
حررها: الدكتور عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
 
الحمد لله رب العالمين، الرحمن بخلقه أجمعين الرحيم بعباده المؤمنين، ما شرع أمراً إلا لحكمه فصار بعد شرعه رحمة ونعمة، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير الذي علم الأمة طرق البذل الأمثل والإحسان الدائم، ليبقى أثره، ويستمر خيره.
 
ومن أهم الروافد الاقتصادية الدائمة التي حث عليها الشرع الوقف، والذي شرع لحكم عظيمة، فهو من أعظم محاسن هذا الدين إذ هو رافد اقتصادي خيري دائم يدوم النفع به ما دام الوقف مستمرا مع الاهتمام به. وقد زاد من اهتمام المسلمين بالوقف أثره الدائم وأجره المتواصل فقد قال زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: " لم نر خيراً للميت ولا للحي من هذه الحُبُس الموقوفة أما الميت فيجري أجرها عليه وأما الحي فتحتبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها " [1]. وقال جابر رضي الله عنه: ( لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف ) [2].
 
وانتشرت الأوقاف بين المسلمين سواء في ذلك الغني منهم ومتوسط الدخل كل بحسبه – فمنهم من أوقف عقاراً ومنهم من أوقف مصحفاً أو كتاباً بل منهم من أوقف قدراً للطبخ وصدق الله ( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره) [3].
 
والناس بحاجة إلى تذكيرهم بأهمية الوقف وفوائده العاجلة والآجلة، وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة رضي الله عنهم خير دافع إلى عودة هذه العبادة التي كانت إلى زمن قريب شائعة بين الناس، ثم حصل فتور وضعف، ونرى بوادر العودة بادية بعد الجهود التي يقوم بها المختصون في الأوقاف من توعية وتسهيل لإجراءات تسجيل الأوقاف، والحمد لله على ذلك.
 
وقد استمر الوقف في دعم الأعمال التي تفيد المجتمع من دور للتعليم والعلاج وإيواء للمحتاجين على امتداد التاريخ الإسلامي، ومع الرؤية الجديدة لدول الخليج النفطية، والتي تم التركيز فيها على الروافد غير النفطية، تكمن أهمية الأوقاف والنظر الفقهي الذي يراعي تغير الأوقات والأزمان، وفتح الأبواب لمن يرغب في الأعمال الخيرية دون قيود.
 
وقد رغبت في تقريب ما يتعلق بالوقف من فضل وأحكام ونوازل باختصار يفيد المتخصص والمبتدئ على هيئة سؤال وجواب، على أمل أن يخرج الكتاب الأصل الذي يتضمن الخلاف العالي وتفاصيل الأقوال والأدلة، وأسأل الله أن ينفع بهذه الخلاصة الجميع.
 
1- ما المقصود بالوقف، وما شروط صحته؟
الجواب: الوقف في اللغة: الحبس، ويعرف في الاصطلاح الشرعي بأنه: تحبيس [4] الأصل [5] وتسبيل[6] المنفعة على بر أو قربة [7]. وله أنواع أربعة هي:
1. الوقف الخيري: هو ما يصرف ريعه ومنفعته إلى جهة خيرية.
2. الوقف الأهلي: هو ما جعل استحقاق الريع فيه لأشخاص معينين بالذات أو الوصف، سواء أكانوا ذرية (الوقف الذري) أم أقارب أم غيرهم ثم يؤول لجهة خيرية بانقراضهم.
3. الوقف المشترك هو: وقف على الأقارب وأعمال الخير معاً.
4. الوقف على النفس: وهو أن يوقف الواقف على نفسه مدة حياته ثم للجهة التي عيّنها كذريته أو أعمال الخير.
 
والوقف مستحب بالاتفاق [8]، لحديث حديث أبي هريرة مرفوعا:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلى من ثلاث، صدقة جارية..." [9]. وهو عقد صحيح، وهو لازم بمجرد القول أو بما يدل عليه.
 
ويشترط لصحة الوقف شروط ستة هي:
1. أن يكون الواقف جائز التصرف وهو الحر المكلف الرشيد.
2. أن يكون الموقوف مما ينتفع به انتفاعا مستمرا، وفي تفاصيل هذا الشرط خلاف.
3. أن يكون الوقف منجزا في الحال إلا إن كان معلقا بعد الموت فيصير وصية، وفي تفاصيل هذا الشرط خلاف.
4. أن يكون الموقوف معينا.
5. أن يكون المعين مما يملك ملكا ثابتا، وفي تفاصيل هذا الشرط خلاف.
 
2- ما علاقة الوقف بالوصية؟
الجواب: يمكن تبيين علاقة الوقف بالوصية ببيان الفرق بينهما، وأهم الفروق هي:
1. أن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة ، بينما الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريقة التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع .
 
2. يجوز في الوقف أن يتجاوز الموقف ثلث أمواله، فلا حد لأكثره بخلاف الوصية فلا تتجاوز ثلث التركة إلا بإذن الورثة.
 
3. أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر - رضي الله عنه -: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها فتصدَّقَ" . أما الوصية فإنها تلزم ويجوز للموصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه .
 
4. الوقف يخرج العين الموقوفة عن التمليك للموقف أو للموقوف عليه، وتكون المنفعة للموقوف عليه، بينما الوصية تتناول العين الموصى بها أو منفعتها للموصى له .
 
5. تمليك منفعة الوقف يظهر حكمها أثناء حياة الواقف وبعد مماته، وأما التمليك في الوصية فلا يظهر حكمه إلا بعد موت الموصي.
 
6. الوقف يجوز لوارث والوصية لا تجوز لوارث إلا بإجازة الورثة .
 
3- هل يشترط للزوم الوقف تعديل صك ملكية العقار، لأن البعض يبني مسجدا في أرضه ولا وتكون الأرض باسمه ثم يرغب في بيع الأرض؟
الجواب: صيغة الوقف تكون باللفظ أو الكتابة أو بما يقوم مقامهما عرفاً من قول أو فعل [10] في الدلالة على الوقف. وتطبيقا لذلك فقد ورد في حكم قضائي بأن المسجد الملحق بالمزرعة له حكم الوقف، ولا يجوز بيعه ضمن المزرعة، وألزم القاضي المدعى عليه بإعادة بناء ما أزاله من المسجد وفتحه لأداء الصلاة[11]. والله أعلم.
 
4- هل يصح الوقف المستقبلي، مثل: إذا دخل رمضان فالعمارة الفلانية وقف للفقراء؟
الجواب: الصحيح من كلام الفقهاء أن الوقف يقبل الإضافة للمستقبل، مثل أن يقول: وقفت كذا أول العام القادم. والله أعلم.
 
5-هل يصح الوقف المؤقت، مثل: هذه الأرض وقف للصلاة عليها حتى يبنى مسجد في الحي؟
الجواب: صورة الوقف المؤقت أن يقول: هذا العقار وقف على طلبة العلم لمدة خمس سنوات. والراجح صحة الوقف المؤقت، وهو الأيسر للمتبرعين، والشريعة قد جاءت بما ييسر على أهل الإحسان عمل الخير. وهو ما ذهب المالكية وبعض الشافعية [12] لما يأتي:
1. عموم أدلة مشروعية الوقف، وأدلة صحة الشرط في الوقف، 
2. ولصحة وقف الحيوان، وهو لا يدوم.
3. وقد أجازت الشريعة العُمْرَى، وهي هبة مؤقتة، والوقف المؤقت مثلها.
 
والقول الثاني: عدم صحة الوقف المؤقت، فيكون وجوده كعدمه، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، لحديث عمر - رضي الله عنه -: " حبس أصلها..."، ولكون الصحابة كانت أوقافهم دائمة، واشتراط التأقيت يخالف أصل الوقف [13].
 
والمرجح الأول، وعليه: فإن الأصل أن يكون الوقف مؤبداً ويجوز أن يكون مؤقتاً لمدة إذا نص الواقف على توقيته بحيث يرجع الموقوف بعدها إلى المالك. والله أعلم.
 
6- ما هي حدود الشروط التي يمكن للموقف أن يشترطها؟
الجواب: يحق للواقف أن يشترط في شؤون وقفه كل ما لا يخالف الشريعة، ويجب العمل بشرطه كما يجب العمل بالشرط الشرعي، ويراعى في فهم شروط كل واقف ما عليه العرف في بيئته. ومن أمثلة شرط الواقف تخصيص ناظر معين وتحديد مستحقاته، سواء أكان الناظر فرداً أم جماعة أم مؤسسة. ويجوز أن يشترط الواقف في صيغة الوقف قضاء ديونه من ريع الوقف بعد موته، أو أن يشترط الانتفاع بوقفه مدة حياته ثم من بعده لذريته ومن بعدهم لأعمال البر، أو أن يصرف من ريع الوقف الخيري على من افتقر من ذريته ثم يستمر صرف الريع في الجهات الخيرية. وأما الشروط الباطلة فهي:
1- الشرط المشتمل على ما يخالف الأحكام الشرعية[14].
2- الشرط الذي يخالف مقصود الشارع ويمثل له الإمام ابن تيمية - رحمه الله – بما لو أوقف على العزاب ومقصود الشرع الحث على التزويج [15].
3- أو الشرط الذي يخل بحكم الوقف ويؤثر في أصله فيبطل الشرط ويصح الوقف بدونه، مثل اشتراط عدم الاستبدال مطلقاً، أو عدم عزل الناظر مهما كان السبب.
4- الشرط الذي يؤدي إلى تعطيل مصلحة الوقف أو الإخلال بالانتفاع به مثل اشتراط البدء دائماً بالمستحقين ولو كان الوقف محتاجاً للصيانة أو الترميم. والله أعلم.
 
7- هل يصح الوقف على تعلم العلوم الدنيوية المباحة؟
الجواب: الأقرب صحة الوقف على المباحات وهو مذهب المالكية والشافعية[16]، لأن الوقف من باب الهبات لا من باب الصدقات، والهبة تصح بغير قصد القربة، ولأن صرف المال في المباح مباح [17]. والله أعلم.
 
8- هل يصح الوقف لإطعام الحيوانات الضالة؟
الجواب: يصح الوقف على الحيوانات والطيور، وهو قول المالكية والحارثي من الحنابلة، لأن الإحسان إلى الحيوان من الإحسان المأجور عليه، ومنع من ذلك الحنفية والحنابلة[18]، لكون الحيوانات لا تملك، والراجح صحة الوقف لإطعام الحيوانات والطيور. والله أعلم.
 
9- هل يجوز أن أقف على أولادي الذكور دون الإناث؟
الجواب: إن وقف على بنيه دون بناته، فهو وقف جنف أي ظلم، ولا يجوز له أن يخص الوقف ببنيه؛ لأنه إذا فعل ذلك دخل في قول - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، فيكون بهذا العمل غير متقٍ لله تعالى، وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - تخصيص بعض الأبناء جَوْراً، فقال: "لا أشهد على جَوْر"، ولا شك أن من وقف على بنيه دون بناته أنه جَور. فيُلغىَ هذا الوقف ولا يصحح، ويعود هذا الموقوف ملكاً للورثة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، لأنه وقف باطل؛ ليس عليه أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، بل هو مخالف لأمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - " [19]. والله أعلم.
 
10- أرغب في أن أقف عمارة على نفسي ثم بعد موتي يكون الوقف على الفقراء، فهل يجوز الوقف على النفس؟
الجواب: اختلف أهل العلم في صحة الوقف على الواقف نفسه مدة حياته ثم للجهة التي عيّنها، والراجح صحة الوقف على نفس الواقف، وهو مذهب الحنفية ورواية عند الحنابلة وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم - رحمهم الله - [20]. ودليل جواز الوقف على النفس أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:" عندي دينار؟" فقال صلى الله عليه وآله وسلم:" تصدق به على نفسك"[21]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ابدأ بنفسك فتصدق عليها" [22]. ولعموم أدلة مشروعية الوقف وصحة الشروط فيه، وذكر الإمام البخاري في صحيحه بعض أوقاف الصحابة وأنهم كانوا يفيدون منها [23].
 
ومذهب الجمهور منع الوقف على النفس، لأن الوقف يشترط فيه القربة – عندهم – والقربة تكون في الصدقة على الغير [24].
 
وأما موقف القضاء السعودي من الوقف على النفس، فهو مختلف، فبعض القضاة لا يصححه، وبعضهم يجيزه ويثبته. والله أعلم.
 
11- عندي بيت مرهون لصندوق التنمية العقارية، فهل يمكن أن أوقفه؟
الجواب: صورة المسألة أن يكون العقار مرهونا لبنك أو لغيره كصندوق التنمية العقاري، ويرغب مالكه في وقفه، دون إذن المرتهن (الدائن). وقد اختلف أهل العلم في صحة هذا الوقف على أقوال:
القول الأول: قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بأن وقف المرهون لا يصح [25]، وبه أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية [26]، لقاعدة " المشغول لا يشغل"، ولكون تصحيح الوقف إبطال لحق المرتهن من وثيقة الوقف، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:" لا ضرر ولا ضرار".
 
والقول الثاني: صحة وقف المرهون إن فكها من الرهن ولو بعد مدة، فإن لم يفكها لم يصح الوقف، وهو قول الحنفية [27].
 
وقول الحنفية أقرب، فيكون كالوقف المعلق على شرط انفكاك الرهن. والله أعلم.
 
12- هل يجوز وقف الدور العلوي لسوق ليكون مسجدا يصلى فيه؟
الجواب: يجوز وقف مسجد وجعل أسفله حوانيت (دكاكين) كما في فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - [28]، وقرر الفقهاء أنه يجوز وقف إحدى طبقات البناء، وحقوق الارتفاق. والله أعلم.
 
13- لو استأجرت أرضا فهل يمكن أن أبني مسجدا فيها؟
الجواب: ذكر الإمام ابن تيمية - رحمه الله – أنه يجوز أن يقف البناء على الأرض المستأجرة [29]. والله أعلم.
 
14- اشتريت بستاناً، وفيه نخلة موقوفة لتفطير الصائمين، إلا أنها ماتت، فهل يكون موضعها وقفاً؟
الجواب: الذي يقرره أهل العلم أن موضع النخلة الموقوفة لا يكون وقفا بذلك، فإذا سقطت النخلة زال الوقف كما أفتى بذلك الشيخ عبدالله أبا بطين - رحمه الله – [30]، وسمعت شيخنا عبدالله الجبرين - رحمه الله – يفتي به . والله أعلم.
 
15- هل يصح وقف الأشياء التي تفنى مثل البخور على المساجد؟
الجواب: يقصد بالأعيان التي تفنى ما كانت فائدتها لا تتم إلا بفنائها مثل وقف الشمع لإشعاله، ووقف الزيت للاستضاءة به، ووقف الطيب لشمه، ووقف الوقود لتشغيل المعدات به، ونحو ذلك. وقد أجاز هذا الوقف الحارثي وابن تيمية رحمهما الله من الحنابلة، وهو قول عند المالكية، خلافا للمشهور من المذاهب الأربعة.
 
والراجح صحة وقف الأعيان التي تفنى، لعموم الأدلة الدالة على الوقف، ولا يخرج منها شيء بغير دليل، ولعموم أدلة فعل الخير، ولصحة وقف الحيوان وهو فان، ووقف الأشجار وهي تفنى ووقف المنافع وهي تفنى باستيفائها [31]. والله أعلم.
 
16- لدينا فكرة في إنشاء صندوق وقفي لإقراض الشباب للبدء في مشاريعهم، وضمانهم لدى البنوك الممولة، واستثمار موجودات الصندوق لتنميتها فهل يصح وقف النقود لهذا الغرض؟
الجواب: ذهب الحنفية والمالكية وأحمد في رواية إلى أنه يجوز وقف النقود لغرض القرض أو التنمية والتصدق بالربح[32]، وأفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية بأنه يجوز الوقف لغرض الإقراض [33]. وعليه يصح وقف صناديق وقفية لإصدار خطابات الضمان، أو كفالة المدينين. والله أعلم.
 
17- أملك جزءا مشاعاً من مزرعة، فهل يمكنني وقف نصيبي المشاع، وكيف التصرف حيال هذا الوقف؟
الجواب: يجوز وقف المشاع [34]، فقد صح عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال عمر - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن المائة السهم التي لي بخيبر لم أصب مالا قط أعجب إلى منها قد أردت أن أتصدق بها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم احبس أصلها وسبل ثمرتها "[35]. وإذا أراد ناظر الوقف أو شريك الوقف القسمة فيما لا يقبلها يجبر الممتنع على البيع ويجعل ثمن الحصة الموقوفة في مثل وقفه، كما يجبر الممتنع على القسمة فيما يقبلها إن طلبها ناظر الوقف أو الشريك. والله أعلم.
 
18- هل يوجد مانع شرعي من وقف الأسهم والصكوك؟
الجواب: يجوز وقف الأسهم والصكوك الاستثمارية، ويصرف نصيب الوقف من الربح في الموقوف عليه. والله أعلم.
 
19- هل يجوز وقف المنفعة دون وقف العين؟
الجواب: يجوز وقف المنافع ممن ملكها باستئجار فتؤجر وتكون أجرتها ريعاً للوقف على أن يؤقت وقفها بمدة الاستئجار، وترجع بعدها إلى المؤجر، وهذا إذا لم يمنعه المؤجر من إعادة التأجير. وقد أجاز وقف المنافع المالكية، ورجحه ابن تيمية - رحمه الله - من الحنابلة [36].
وأما الجمهور فاشترطوا أن يكون الموقوف عينا ينتفع بها مع بقاء عينها كما أنهم يشترطون تأبيد الوقف[37].
 
والراجح صحة وقف المنافع لما يأتي:
1- عدم وجود فرق بين وقف الأعيان ووقف المنافع، فكلاهما من الأموال، وكلاهما تصح الوصية بهما وقد حثت الشريعة على الوقف، فلا يصح تقييد الوقف إلا بدليل، وقد قال تعالى:" وافعلوا الخير.." والخير لفظ عام.
 
2- ولأن الشريعة أجازت وقف الحيوان والسلاح بلا خلاف، وهي لا تبقى للأبد.
 
3- وقد قال - صلى الله عليه وسلم – في حديث جابر - رضي الله عنه -: "من أعمر عمرى فهي له، ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه" [38]، والعمرى قريبة من وقف المنافع.
 
وعليه: يجوز وقف المنافع والحقوق كالارتفاق والملكية الفكرية وبراءة الاختراع والتأليف وحق الابتكار والاسم التجاري والعلامة التجارية [39]. والله أعلم.
 
20- أريد أن أوقف وقفا وأجعل بنتي ناظرة، فهل يجوز أن يكون الناظر امرأة؟
الجواب: يجوز أن يكون الناظر رجلاً أو امرأة، ففي وقف عمر رضي الله عنه:" ثم أوصى ( أي: عمر - رضي الله عنه - ) به إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ثم إلى الأكابر من آل عمر " [40]. والله أعلم.
 
21- رغب في أن تكون النظارة في مجموعة من الأبناء، ويكون القرار بالأغلبية في التوزيع والاستثمار ونحوها، فهل يصح ذلك؟
الجواب: يجوز أن يكون الناظر فردا أو أكثر. وتكون قيود نظارة الوقف وإدارته حسب الشروط الشرعية ثم شروط الواقف إلا إذا تعارضت الشروط مع أحكام الشريعة أو مع ما تتحقق به المصلحة حسب تقدير القضاء. والله أعلم.
 
22- لدي وقف يحتاج إلى ترميم وإصلاح، وقد خرج المستأجرون، فما هو التصرف الشرعي لإصلاح الوقف؟
الجواب: الواجب الأخذ من غلة الوقف لإصلاحه، وإذا لم تكف الغلة كافية فللناظر أن يستدين بقرض أو تمويل لإصلاح الوقف ويسدد من غلته، وذلك لمصلحة تعميره واستغلاله بشرط إذن القاضي وعدم تيسر إجارة العين والصرف من أجرتها[41]. والحنابلة لا يشترطون إذن القاضي، قال البهوتي: "وللناظر الاستدانة عليه، بلا إذن حاكم لمصلحة، كشرائه للوقف نسيئة أو بنقد لم يعينه"[42].
 
وإن لم تكف الغلة لإصلاحه، ولم يتيسر الاستدانة على الوقف فللناظر بيع بعض الوقف لإصلاح باقيه، فقد أجاز الحنابلة بيع بعض الموقوف لإصلاح باقيه إن اتحد الواقف والجهة، كأن يقف أحد دارين مثلا، فإذا خربتا بيعت إحداهما ليعمر بثمنها الأخرى، ولا يعمر من وقف آخر[43].
 
وإن لم يمكن بيع بعض الوقف، فقد أفتى بعض الحنابلة بجواز عمارة وقف من ريع وقف آخر على جهته[44].
 
وقد قررت الهيئة القضائية بالمملكة العربية السعودية ضرورة صدور إذن من القاضي الذي يقع الوقف في بلده عند إرادة الاقتراض لعمارته؛ لأن ذلك من باب الاستدانة على الوقف، مما قد يحرم المستحقين من غلته أو بعضها، أو يعطل أعمال البر التي عليه بصرف غلته أو بعضها، والقاضي هو الذي يمكن أن ينظر في هذه الأمور، ويقرر ما فيه المصلحة من الاقتراض للوقف أو عدم الاقتراض له، وينظر في أمانة الناظر، والاحتياط في صرف المبلغ المقترض في عمارة الوقف، وصحة الوقفية، وجهه صرف الغلة إلى غير ذلك مما يحتاج إليه نظر قضائي؛ لذا لا بد من صدور إذن من القاضي في الاقتراض للوقف.
 
وقررت أيضا جواز الاقتراض من بنك التنمية العقاري لعمارة الوقف بعد إذن القاضي وإصداره صكا بذلك يتضمن الإذن بالاقتراض للوقف بقدر ما تحتاجه عمارته، والإذن للناظر برهن الأنقاض المنشأة على أرض الوقف بعد تخفيف إنفاق كامل المبلغ المقترض في عمارة الوقف. والله أعلم.
 
23- لدينا وقف أجاره ضئيل جدا، فهل يجوز بيعه وشراء وقف له عائد أفضل؟
الجواب: الأصل أنه لا يجوز بيع الوقف إلا أن تتعطل منافعه فيباع ويشترى به ما يقوم مقامه لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر - رضي الله عنه -: غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث"، لكن إذا تعطلت منافعه كدار انهدمت أو مسجد انتقل أهل قريته عنه. ويجوز استبدال الوقف إذا شرطه الواقف، أو إذا تخرب، حتى لو اشترط الواقف عدم الاستبدال، فيباع ويشترى بثمنه ما يجعل وقفاً كالأول. ويجوز الاستبدال أيضاً إن لم يمكن الانتفاع بالوقف لخلو مكانه من الناس، أو للخوف على الوقف من الغاصبين أو لتعذر الانتفاع به.
 
وقد اختلف أهل العلم في حكم بيع الوقف إذا قلت منافعه أو انعدمت على أقوال:
القول الأول: قول الحنابلة[45] والشافعية في وجه لهم بأنه يجوز بيع الوقف منقولا، أو عقارا إذا تعطلت واختلت منافعه[46]، فيباع ويشترى به ما يقوم مقامه، فالمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به. والدليل على أن الأصل عدم جواز بيع الوقف قوله صلى الله عليه وسلم لعمر - رضي الله عنه - : غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث"، لكن إذا تعطلت منافعه كدار انهدمت أو مسجد انتقل أهل قريته عنه فإنه يباع وينقل إلى مكان آخر، لأن هذا مقصود الواقف من وقفه. والدليل على ذلك أمران:
1. أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد - رضي الله عنه - أن انقل المسجد الذي بالتمَّارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لا يزال في المسجد مصل[47].
 
2. أن العلماء أجمعوا على أن الحصان الموقوف على الغزو إذا كبر فلم يصلح للغزو أنه يجوز بيعه ويشترى بثمنه ما يصلح للغزو. ومع أن الشافعية يشددون في نقل الوقف إلا أنهم ذكروا أنه يجوز نقل الوقف، إذا لم يمكن الانتفاع بالوقف كما إذا وقف على قنطرة فانخرق الوادي، وتعطلت تلك القنطرة، واحتيح إلى قنطرة أخرى جاز النقل إلى ذلك الموضع[48].
 
القول الثاني: قول مالك والشافعي أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك بحال لعموم حديث عمر المتقدم. والجمهور لا يجيزون بيع المسجد، وإن خرب ما حواليه، واستدلوا بالكعبة، فإن الإجماع انعقد على عدم خروج موضعها عن المسجدية والقربة[49].
 
القول الثالث: أنه يجوز بيع الوقف للمصلحة، وهو قول الإمام ابن تيمية - رحمه الله -، ونسبه إلى أبي ثور وبعض السلف[50]. وهو قول أبي يوسف من الحنفية[51]، قال المرداوي في الإنصاف: وجوز الشيخ تقي الدين ذلك لمصلحة، وقال: هو قياس "الهدي"، وذكره وجها في المناقلة، وأومأ إليه أحمد. ونقل صالح: يجوز نقل المسجد لمصلحة الناس. وهو من المفردات. واختاره صاحب "الفائق"…، وصنف صاحب "الفائق" مصنفا في جواز المناقلة للمصلحة سماه "المناقلة بالأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلاف"، وأجاد فيه. ووافقه على جوازها الشيخ برهان الدين ابن القيم، والشيخ عز الدين حمزة ابن شيخ السلامية، وصنف فيه مصنفا سماه "رفع المثاقلة في منع المناقلة". ووافقه أيضا جماعة في عصره، وكلهم تبع للشيخ تقي الدين في ذلك"[52]. وينقل أيضا عن الإمام ابن تيمية - رحمه الله - أنه يقول:" يجب بيعه بمثله مع الحاجة، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور المصلحة[53]. وقال رحمه الله في مجموع الفتاوى: " وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه: مثل أن يقف دارا، أو حانوتا، أو بستانا، أو قرية يكون مغلها قليلا، فيبدلها بما هو أنفع للوقف: فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء: مثل أبي عبيد بن حرمويه، قاضي مصر، وحكم بذلك، وهو قياس أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة، بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة بحيث يصير المسجد سوقا فلأن يجوز إبدال المستغل بمستغل آخر أولى وأحرى"[54].
 
والأولى ألا يفتح باب البيع للوقف إلا بإذن من القاضي الشرعي. وعليه؛ يشترط للاستبدال ما يلي:
1- أن يخرج الموقوف عن الانتفاع به ويتعطل، وأن لا يكون هناك ريع للوقف يكفي لعمارته.
2- أن لا يكون البيع بغبن فاحش.
3- أن تتحقق فيه الغبطة والمصلحة للوقف.
4- أن يكون الاستبدال بإذن القضاء.
5- أن يستبدل به عقار إذا كان عقاراً، إلا إذا أمن سوء التصرف فيستبدل به نقود تحفظ لدى جهة القضاء إلى حين شراء عقار بديل. والله أعلم.
 
24- هل يجوز بيع الكتب الموقوفة الموزعة من وزارة الأوقاف؟
الجواب: أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية بأنه لا يجوز بيع الكتب الموقوفة الموزعة من الإفتاء أو من الرابطة، ويجوز تبادلها بين طلب العلم بنية الاستفادة لا المعاوضة. تنظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء 16/ 25 والله أعلم.
 
25- مسجد قديم هل يمكن هدمة لبناء مكتبة؟
الجواب: أفتت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية بأنه لا يجوز هدم مسجد قديم ليبنى مكانه مكتبة عامة. تنظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء 16/ 39. والله أعلم.
 
26- أنا ناظر لوقف يمثل صالات تأجيرية، فهل يصح أن أستأجر من الوقف مدة طويلة؟
الجواب: الأصل في مدة إجارة الوقف أن لا تكون طويلة عرفاً، إلا لمصلحة بيّنة. وللإجارة شروط:
الأول: أن يكون التأجير بأجرة المثل، فلا يصح إيجار الأعيان الموقوفة أو المنافع الموقوفة بأقل من أجرة المثل، وقد اتفق أهل العلم على جواز إجارة الأراضي لاستعمالها في المباح سواء للسكنى أو الزراعة، وذكروا أن الأولى الابتعاد عن التأجير الطويل المدة، وهو ما يسمى بالحكر، وفي المنطقة الوسطى يسمى بالصبرة، وقد تصل إلى مئة سنة، ولم يستحبها العلماء لما رأوا أن الأسعار تتغير غالبا، وأن ذلك ليس من مصلحة الوقف، كما أنه مع تطاول الأزمان قد يُظن أن المستأجر هو مالك الأرض أو يستولي عليها بعد وفاة الناظر مثلا، وهذا مشاهد كثيرا، ولذا فالأولى عدم استخدام هذه الطريقة في الإجارة.
 
الثاني: منع تعارض المصالح في التأجير، فلا يصح إيجار الوقف لنفسه أو لولده الذي في ولايته ولا إيجاره لمن لا تقبل شهادتهم له (الأصول والفروع وأحد الزوجين) إلا عن طريق القضاء. والله أعلم.
 
والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
 
 
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/104043/#ixzz4HOWKGAlw