مركز رافد
أخي الزائر برأيك ماهي أكثر المجالات التي تفتقر إلى أوقاف !




الفلم التعريفي لرافد
أقسام الوقف وكيفية العمل به
أقسام الوقف وكيفية العمل به
15 اغسطس 2016 - 12 ذو القعدة 1437 هـ( 620 زيارة ) .

أقسام الوقف وكيفية العمل به
وبيان التوافق الفقهي في ذلك
 
يمكن تقسيم الوقف إلى ثلاث حيثيّات متفق عليها بين أهل العلم من شتى مذاهب المسلمين:
الحيثية الأولى: من حيث الجهة الموقوف عليها: فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- الوقف الذري: وهو أن يجعل الواقف وقفه في ذريته و بين أقاربه.
 
2- الوقف الخيري: وهو ما يصرف ريعه على جهة خيرية كالفقراء والمساكين وابن السبيل وفي بناء المساجد أو المستشفيات ودور الأيتام ونحوها.
 
3- الوقف المشترك: وهو الذي يوقف في أول الأمر على جهة خيرية ولو لمدة معينة ثم من بعدها إلى الذرية و الأقارب، كأن يقول الواقف وقفت هذه الدار على الفقراء والمساكين مدة سنة ثم على نفسي وأولادي، أو العكس كأن يوقف على الذرية مدة معينة ثم بعدهم على جهة خيرية، وقد يشركهم جميعا في الوقف.
 
وكل هذه الأنواع مجموعة في حديث عمر لما أصاب أرصا بخيبر، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف.. "، كما سيأتي.
 
الحيثية الثانية: من حيث الأشخاص الواقفون، أو الشيء الموقوف: وهو على قسمين:
قسم ينشئه الأفراد من أمراء وأغنياء ونحوهم ولو عن طريق التشارك فيه، وقسم تنشئه الدولة وتوقف له الأوقاف الواسعة، وقد يكون من الخراج والإقطاعات أو الغنائم أو الأنفال أو غير ذلك.
 
الحيثية الثالثة: من حيث طريقة استعمال الوقف والعمل به:
وهو ينقسم إلى نوعين متكاملين: وقف استغلالي وآخر استثماري، وكلاهما يُستعمل في العقار والمركوب والحيوان والأثاث والسلاح والموارد المائية، وكل ذلك وردت به السنن والآثار، وعمل به السلف والخلف الأطهار:
القسم الأول: الوقف الاستغلالي وطريقة استغلاله:
يتمثل هذا النوع في استغلال الشخصِ المستفيدِ من الوقف، لذات منفعة الوقف، استغلالا مباشرا لا تجاريا، كما في حديث عمر في وقف أرضه: " لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول فيه لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول ولا متأثل فيه "، والمتمول: هو من يتخذ المال أكثر من حاجته وقيل ليتجر فيه، والتأثل: اتخاذ أصل المال وجمعه حتى كأنه قديم عند صاحبه، فكأنّ عمر رضي الله عنه وقف أرضه هذه ليأكل منها هؤلاء فقط من غير اتخاذ مال، وهذا هو الوقف الاستغلالي والله أعلم.
 
وسواء أكان ذلك الاستغلالُ في العقار أم المركوب أو الحيوان أو الأثاث والأواني أو المياه وحتى البرامج المعلوماتية الحديثة ونحوها:
فمن أمثلة الوقف في العقار وتوابعه: كبناء المساجد والزوايا والمكتبات والربط والمدارس ونحوها، فلا تجارة فيها، وإنما تستغل فائدتها عن طريق الصلاة فيها وطلب العلم بها...
 
ومثل ذلك النزول أو الإقامة في الدور أو الربط أو الفنادق الموقوفة على ابن السبيل أو الفقراء أو طلبة العلم، فيستغلونها استغلالا مباشرا، لا تجارة فيه، وهو شيء منتشر في المملكة العربية السعودية رأيته بها واستفدت منه أحيانا، أيام كنت طالبا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حرسها الله تعالى، فكنا نذهب إلى مكة المكرمة لنعتمر وننزل في تلكم الأوقاف بلا مقابل، وربما وُجد في بعضها مطاعم وقفية مجانية أيضا.
 
كما كانت هناك بيوت وقفية على طلبة العلم أو غيرهم، وفي الغالب يستفيد منها من له زوجة لها إقامة أو رخصة إقامة بالمملكة فقط.
 
وهكذا كمَن يقف أرضه لبناء المساجد أو المدارس أو القناطر أو الطرقات والأنهار ونحوها.
 
ومن أمثلة الوقف في الأثاث والأواني والماعون: ما استفدنا من بعضه أيضا لـمّا كنا طلبة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث كانت هنالك أوقاف في هذه المذكورات، ولها نظار يرعوْنها، فيأتي الطالب بشهادة مدرسية مع شهادة الزواج ووجود الزوجة في المملكة ثم يدفع هذا الملف للقائمين بالوقف، ليُعطى للطالب ما يحتاجه من أثاث وأواني وغسالة وثلاجة ونحوها، على أن يُرجعها لمركز الوقف بعد استعمالها، وقد حدث في التاريخ الإسلامي أوقاف مختصة بإعارة الحلي وتجهيز العرائس للزواج.
 
ومن ههنا شبه أبو حنيفة الوقف بالإعارة، وقد ذكرنا آنفا الفرق بينهما، وأن هذه المعاملةَ إعارةٌ بالنسبة للمستفيد منها، وأما بالنسبة للواقف فهي حبس صحيح لأنها لا ترجع لملكه ولا لمِلك غيره، بل لله تعالى.
 
وهكذا أيضا كانت لهذه الأوقافِ المذكورةِ أوقافٌ استثمارية أخرى تعود غلتها على طلبة العلم أيضا.
 
ومن أمثلة الوقف في الموارد المائية: حفر السدود والآبار وشق الأنهار ونحوها كما فعل عثمان رضي الله عنه لما اشترى بئر رومة، وكانت بئرا واسعة عظيمة وقفها على المسلمين.
 
ومن أمثلة الوقف في الحيوانات والمركوبات ووسائل النقل والآلات: كمن يقف آلياته أو وسائل نقله في سبيل الله تعالى، - على طلبة العلم مثلا -، وقد كنا في الجامعة الإسلامية نركبُ في بعض الحافلات، وقد أُخبرنا بأنها أوقاف موقوفة على طلبة العلم، فجزى الله خيرا واقفيها.
 
وهذا أمر مشروع عند عامة العلماء لما تقدم من جواز وقف المنقول وما يمكن قبضه، وقد تقدم تبويب البخاري عليه: "باب إذا تصدق، أو أوقف بعض ماله، أو بعض رقيقه، أو دوابه، فهو جائز"، قال ابن حجر في الفتح (5/386): "هذه الترجمة معقودة لجواز وقف المنقول والمخالف فيه أبو حنيفة".
 
وأما الوقف في الحيوان: ففيه خلاف، والأصح عند الجمهور جوازه كما في تبويب البخاري، لأنه إن نظرنا إلى ذات وحال الحيوان المتصدَّق به، فنَعَم، هو زائل العين ويُمكن نقله، فيدخل في مسمى الصدقة، لكنا إن نظرنا إلى مآله وجنسه، فإنه يتوالد ويتكاثر، ولا ينقطع جنسه فأشبه الوقف من هذه الحيثية والله تعالى أعلم.
 
وكل هذه الأمور التي مثلتُ - وغيرها كثير - هي أفعال برّ وخير، فعلها الأولون وتبعهم عليها الآخرون، وتوافق عليها المسلمون، حتى كانت جزءا اعتياديا من عادات السلف كما سأذكر من دلائل وأمثلة كثيرة في غضون هذا البحث، ويكفي الآن أن أشير إلى هذه المسألة من ناحية إجمالية فأقول:
قال إبراهيم بن موسى في الإسعاف في أحكام الأوقاف (74):
"وقال الخصاف بعد ذكره أوقاف الصحابة: ومما يؤيد ذلك ويصححه بناء المساجد فإن الناس جميعا أجمعوا عليها، ثم قال: وكذلك بناء الخانات للسبيل وكذلك عمارة السقايات للمسلمين وكذلك بناء الدور في الثغور للسبيل وكذلك بناء الدور بمكة ينزلها الحاج، وكذلك رجل جعل داره أو بعضها طريقا للمسلمين وأخرجه عن ملكه وأبانه له، فليس له الرجوع في ذلك".
 
ومثال الوقف في البرمجيات الحديثة، كمن يكتشف برنامجا من إنتاجه ويقفه على المسلمين، ومن لم يُنتج فله أن يشتري بعض البرمجيات ليقفها على طلبة العلم وفي سبيل الله تعالى.
 
هذا وقد كان من طريقة السلف أن يقفوا أوقافا استثمارية إما أصالة، وإما تبعا لهذه الأوقاف الاستغلالية، بحيث تعود غلتها عليها كما سنبين في أثناء هذا البحث بعوْن الله تعالى:
القسم الثاني: الوقف الاستثماري التجاري، وطرق استثماره، وبيان التوافق في ذلك:
يتمثل هذا النوع في "استفادة الجهات الموقوف عليها من غلاتِ وريعِ العينِ الموقوفةِ المُستثْمَر بها، عن طريق العمل في ذلك الوقف"، وهذا يعني أن الأعيان الموقوفةَ لا تُستغل في حد ذاتها مباشرة، لأنها تجارية، وإنما يستفاد من غلّاتها وأرباحها عن طريق العمل فيها أوْ بها واستثمارها في مختلف المجالات الاقتصادية من فلاحة أو تجارة أو صناعة، بما تحتويه هذه المجالات من معاملات ربجيّة مختلفة من: مزارعة أو رعْي أو تصنيع أو إنتاج، أو تسويق بسائر أنواع الاتجار من إجارة أو مضاربة أو شركة أو بيع للغلة أو المنتجات ثم صرف ريعها في سبيل الله تعالى، مع بقاء الأصل بلا بيع ولا تملك كما في حديث عمر:" لا يباع أصلها ولا يورث".
 
وسواء أكانت هذه العين الموقوفةُ عقارا أو مركوبا أو حيوانا أو أثاثا ونحوها، فكل ذلك أمر مشروع عند عامة العلماء، مشهور بين السلف، قولا وعملا، نقله الخصاف وغيره كما سيأتي.
 
فمن القول: نذكر ما قاله إبراهيم الطرابلسي في الإسعاف في أحكام الأوقاف (63):
"باب إجارة الوقف ومزارعته ومساقاته: "لو شرط الواقف أن لا يؤجر المتولي الوقف، ولا شيئا منه، أو أن لا يدفعه مزارعة، أو أن لا يعامل على ما فيه من الأشجار، أو شرط أن لا يؤجره إلا ثلاث سنين، ثم لا يعقد عليه إلا بعد انقضاء العقد الأول، كان شرطه معتبرا ولا يجوز مخالفته، ولو قال من أحدث من وُلّاة هذه الصدقة شيئا مما ذكر خارج من ولايتها وهي إلى فلان كان كما قال، ولو لم يذكر في صك الوقف إجارته فرأى الناظر إجارته أو دفعه مزارعة مصلحة، قال:" ما كان أدر على الوقف وأنفع للفقراء جاز له فعله".
 
ومن الأمثلة العملية التوافقية على ذلك: ما قاله السخاوي في التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (2/67):
"وذلك أن شيخ الخدام في وقتهم كان يحسن إليه وإلى سائر المجاورين ويفرق عليهم من السنة إلى السنة قدر كفايتهم وعيالهم، وكان شيخ الخدام يومئذ يجري في الأوقاف مجرى أهل المدينة في مغارساتهم ومعاملاتهم على جاري العادة في المدينة وأحكام قضاتها".
 
وقال السخاوي في التحفة (1/954) في ترجمة صواب الشمس الجمداري:
"بنى داراً حسنة وأوقفها، وكذا اشترى في آخر عمره نخلاً جيداً وأوقفه إلى غير ذلك من الأوقاف..".