ما أحوج المسلمين إلى عطاء الوقف الخيري
28 اكتوبر 2016 - 27 محرم 1438 هـ( 1048 زيارة ) .

 

د. يوسف إبراهيم
 
لعب الوقف الخيري دوراً مهماً في الحضارة الإسلامية، وكان وسيلة من الوسائل الحضارية التي واجه بها الإسلام حاجات الفقراء والمرضى وغيرهم، بل لعب الوقف دوراً مهماً في الارتقاء بالتعليم وتلبية حاجات طلابه وخاصة الفقراء ومحدودي الدخل.
 
والوقف بعبارة بسيطة، هو أن يخصص المسلم بعض ماله أو كله أو حقا من حقوقه، له قيمة مالية، لجهة من جهات الخير تستفيد من عائداته، وتستخدمه في إشباع حاجاتها. فإذا وقف هذا المال على جامعة من الجامعات.. فهي تستخدم عائد هذا المال في الإنفاق منه على شتى احتياجاتها مثل تجهيز المعامل، وبناء المدرجات، وتوفير الرعاية الصحية لطلابها والعاملين فيها، وتوفير المسكن والتغذية لهم إلى غير ذلك من احتياجات هذه الجامعة التي وقف الواقف جزءا من ماله عليها. فالمال الموقوف نفسه لا ينفق، وإنما يستثمر لكي ينفق من عائداته على الجهة التي وقف عليها. ومن ثم يبقى أصل المال، يدر عوائد مستمرة، وهذه العوائد المستمرة هي التي تنفق على الجهة المستفيدة من الوقف.
 
ويعرف الفقهاء الوقف بأنه «حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة على الموقوف عليهم» أو كما يقال «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة»، وفي عبارة ثالثة يقولها فريق من الفقهاء أيضا هو: «حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرف مباح».
 
والوقف بهذا المفهوم له أربعة أركان لا بد من تحققها، وهي:
لا بد من واقف يقوم بالوقف، وهو الشخص الذي يوقف المال.
ولا بد من شيء موقوف هو المال الذي وقفه.
ولا بد من موقوف عليه وهو المستفيد من هذا الوقف.
وأخيراً لا بد من صيغة تستخدم في الإعراب عن الوقف.
 
هذه هي أركان الوقف، ولكل ركن منها شروط لا بد من توافرها، فمثلاً الواقف يشترط فيه أهليته للتبرع، لأن الوقف تبرع فلا بد أن يكون عاقلاً، بالغاً، غير محجور عليه، وأن يكون مختاراً غير مجبر أو مكره على القيام بوقف ماله.
 
والموقوف لا بد أن يكون مالاً مباحاً له قيمة، وأن يكون معلوماً غير مجهول، وأن يكون مملوكا للواقف.
 
أما الموقوف عليه فلا بد أن يكون جهة بر في الوقف الخيري، فلا يجوز الوقف على جهات المعصية.
أما الصيغة، أي الألفاظ المستخدمة في الإفصاح عن الوقف فلا بد أن تكون منجزة أي حالة وجازمة أي تفيد الجزم وعدم التردد مثل وقفت وحبست مالي على جهة كذا.
والوقف الخيري لعب دوراً مهماً في نهضة الأمة ولا يزال قادراً على القيام بهذا الدور، ولذلك لا بد من إحيائه وبعثه من جديد، وهذا يتطلب استخدام كل الوسائل الممكنة لدفع الناس إلى إحياء فضيلة الوقف وحثهم على وقف الأموال على جهات الخير التي تحقق مصالح المجتمع، وتقوم بشتى شؤونه التعليمية والصحية والثقافية والدينية والأخلاقية.
 
وهناك نوع آخر من الوقف هو وقف المال على الذرية أو الأهل، والذي يسمى الوقف الذري أو الوقف الأهلي، ويقصد به نفع الذرية والأهل وليس النفع العام للمجتمع. 
 
ويقسم بعض الفقهاء الوقف إلى: وقف مؤبد، ووقف مؤقت، فالوقف المؤبد هو الذي يستمر المال فيه موقوفاً إلى ما لا نهاية، والوقف المؤقت، يكون لمدة زمنية محددة بزمن أو بنتيجة معينة، ومن صوره الوديعة الوقفية التي تمكن صاحب مبلغ من المال ليس في حاجة إليه لفترة معينة، أن يسلمه إلى مؤسسة وقفية كي تستثمره وتنفق من ريعه.
 
والوقف عبادة من العبادات، وقربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى خالقه، وأحب القرب إلى الله تعالى بعد الذي فرضه الله تعالى على عباده، هو ما كان من جنس هذا الذي فرض علينا، وأحب هذه العبادات هو ما اتصف بالاستمرارية والديمومة، قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل»، بمعنى أن الذي يريد أن يتقرب إلى الله تعالى بصلاة أو صيام أو صدقة فليجعل تقربه إلى ربه دائماً مستمراً، وإن كان قليلاً من حيث الكمية، فمن يصلي ركعتين في جوف الليل بصفة مستمرة، خير ممن يصلي مئة ركعة في ليلة ثم ينقطع عن قيام الليل، وكذلك من يريد التقرب إلى الله تعالى بقربة من جنس الزكاة التي فرضها الله تعالى على عباده.
 
*أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر
 
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/1d2735cb-d417-4cf8-bbb9-97c117b07edb#sthash.eq96YOqd.dpuf