مركز رافد
ما هو أهم عامل لتطوير الأوقاف؟




وقف النقود للقرض الحسن والتنمية
15 اغسطس 2016 - 12 ذو القعدة 1437 هـ( 966 زيارة ) .

 

التشريع الإسلامي وضع حلولا لحل مشاكل الناس وسد حاجاتهم ، ودعا المسلمين أن يتعاونوا في وجوه الخير وتحقيق مصالح البلاد والعباد ومساعدة المحتاجين من الأهل والأقارب والإخوة في الدين .
 
وقد شرع الإسلام من أجل ذلك الصدقة والوقف والقرض الحسن ، وحث على هذه الأمور التي شرعها لمصلحة جماعة المسلمين ، ووعد الله من يقوم بذلك بالثواب العظيم ، وجعل الله قيام المسلم بسد حاجة أخيه المسلم إقراضا لله جل وعلا الذي سيضاعف له ما قدمه، قال تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (الحديد:11). 
قال العلماء والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب النفس يبتغي به وجه الله دون الرياء والسمعة ، وأن يكون من الحلال .. ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه ، لقوله تعالى : ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) (البقرة:267)، وأن يتصدق في حال الحياة فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال: ( أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا) .. وعندما نزلت الآية التي سورة البقرة وهي قوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(البقرة:245) قال الصحابي الجليل أبو الدحداح فداك أبي و أمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض قال نعم يريد أن يدخلكم الجنة قال إني أقرضت ربي قرضا يضمن لي به وصبيتي الدحداحة معي الجنة ؟ قال نعم قال فناولني يدك فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما لله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعل إحداهما لله والأخرى دعها لك ولعيالك قال فأشهدك يا رسول الله إني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة قال إنما يجزيك الله به الجنة فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول :
هداك ربي سبل الرشاد .... إلى سبيـل الخير والسداد
بيني من الحائط بالوداد .... فقد مضى قرضا إلى التناد
أقرضه لله على اعتمادي.... بالطوع لا من ولا ارتداد
والبر لا شك فخير زاد .... قدمه المـرء إلى  المعاد 
قالت أم الدحداح (ربح بيعك) بارك الله لك فيما اشتريت ، ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول :
بشرك الله بخـير وفـرح .... ومثلك أدى ما لديه ونصح 
وقد متع الله عيالي ومنـح... بالعجوة السوداء والزهو البلتتح 
والعبد يسعى وله ما قد كدح ... طول الليالي وعليه ما اجترح 
  ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كم من عزق رداح ودار فياح لأبي الدحداح .
 
وقال بعض المفسرين حين سمع الناس هذه الآية انقسموا بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره أقساما فتفرقوا فرقا ثلاثا، الفرقة الأولى الرذلى: قالوا إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء ، فهذه جهالة لا تخفي على ذي لب ، فرد الله عليهم بقوله (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) (آل عمران:181) . 
الفرقة الثانية : لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سيبل الله ولا فكت أسيراً ولا أعانت أحداً تكاسلاً عن الطاعة وركونا إلى هذه الديار . الفرقة الثالثة: لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره .
 
فالشرع الإسلامي جعل من القربات الوقف على أوجه الخير ، ونهَجَ المسلمون في مختلف العصور على نهج الصحابة والتابعين في الوقف ، ولكن بعضهم انحرف بالوقف الشرعي فجعله فيما ليس من القربات ، بل أصبحت بعض الأوقاف سببا للكسل والبعد عن القربات ؛ ولذلك قال الشيخ محمد عبده عندما سئل عن وقف خليل آغا في مصر ( شرط الواقف كنص الشارع في تحديد النصيب وحالة المستحق لا في تحديد القربات و أوقاتها وأماكنها ) فالشرع الإسلامي يريد من تشريعاته تحقيق المصلحة للناس وحل مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية ، فيستغني الفقير عن تكفف الناس من أجل طعامه وشرابه ، وليتمكن الفرد من أداء واجبه في المجتمع وتسهيل أموره ليعبد ربه بإخلاص ، وعبادة الله مجالها واسع إلى جانب الصلاة والزكاة والصيام والحج هناك بذلك الجهد من أجل نفع المسلمين وحل مشاكلهم وجزى الله علماءنا وسلفنا الصالح خير الجزاء فقد بحثوا في كل ما من شأنه نفع المسلمين ، وسد حاجتهم في حدود شرع الله ومن معين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد وجدت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحث هذه المسألة التي نحن بصددها وهي ( وقف النقود للقرض) ، فقد بين أولا أن الوقف يكون للمحتاجين لا للأغنياء فقال ( والصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة أن الوقف على جهة مباحة كالوقف على الأغنياء باطل..
أما الكتاب: فقوله تعالى (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ )(الحشر: من الآية7). قال: أخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره لئلا يكون الفيء متداولا بين الأغنياء دون الفقراء ، فعلم أنه سبحانه يكره هذا وينهى عنه ويذمه ، فمن جعل الوقف للأغنياء فقط جعل المال دولة بين الأغنياء فيتداولونه بطنا بعد بطن دون الفقراء وهذا مضاد لله في أمره ودينه فلا يجوز ذلك .
 
وأما السنة: فما رواه أصحاب السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا سبق إلا في حف أو حافر أو نصل ). قال شيخ الإسلام: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى بذل السبق إلا فيما يعين على الطاعة والجهاد مع أنه بذل لذلك في الحياة وهو منقطع غير مؤبد فكيف يكون الأمر في الوقف .
 
أما أدلة ذلك من أصول الشريعة: أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو الدنيا وهذا اصل متفق عليه بين العلماء ومن خرج عن ذلك كان يفيها وحجر عليه عند جمهور العلماء الذين يحجرون على السفيه وكان مبذرا لماله وقد نهى الله في كتابه عن تبذير المال ( ولا تبذر تبذيرا) (الإسراء :26) وهو إنفاقه في غير مصلحة وكان مضيعا لماله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال في الحديث المتفق عليه من المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهي عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ، وقد قال الله تعالى ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما) (النساء :5). 
 
وإذا عرف هذا فمن المعلوم أن الواقف لا ينتفع بوقفه في الدنيا كما ينتفع بما يبذله في البيع والإجارة والنكاح ، وهذا أيضا لا ينتفع به في الدين إن لم ينفقه في سبيل الله وسبيل طاعته وطاعة رسوله؛ فإن الله إنما يثيب العباد على ما أنفقوا فيما يجبه وأما مالا يحبه فلا ثواب في النفقة عليه .
 
وإذا كان كذلك فالمباحات التي يثيب الشارع عليها ولا يثيب على الإنفاق فيها والوقف عليها ولا يكون في الوقف عليها منفعة وثواب في الدين ولا منفعة في الوقف في الدنيا فالوقف عليها خال من انتفاع الواقف في الجين والدنيا فيكون باطلا ، وهذا ظاهر في الأغنياء ، وأن يكون مستحبا بل واجبا فإنما ذلك بسبب غير الغنى من القرابة والجهاد في الدين ونحو ذلك ) .
 
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية جواز وقف النقود للقرض والتنمية ، وقال: إن هذه المسألة فيها نزاع في مذهب الإمام أحمد ولكنهم لم ينقلوا نصا بعدم الجواز ولم ينقله القاضي وغيره إلا عن الخرقي وغيره، وتأول الميموني نص الإمام أحمد بالجواز، وقال أبو البركات بعد أن ذكر مسألة رجل وقف ألف درهم في سيبل الله قال إن كانت للمساكين فليس فيها شيء ، وظاهر هذا جواز وقف االأثمان لغرض القرض أو التنمية والتصدق بالربح ومذهب مالك صحة وقف الأثمان للقرض لغرض ( انظر فتاوى شيخ الإسلام ج31) .
 
والخلاصة: أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد اختار جواز وقف الدراهم والدنانير للقرض والتنمية ، وصورة ذلك أن يقف الرجل مبلغا من الدراهم والدنانير للقرض والتنمية على من يكون به حاجة للقرض يقترض من المبلغ الموقوف ثم يرد ما اقترض ليأخذ آخر به حاجة وهكذا دواليك ، وهذا في الوقف للقرض. أما صورة الوقف للتنمية أن يقف الرجل مبلغا من الدراهم أو الدنانير ويجعله قراضا ( مضاربة) يعاد بربحها على الوقوف عليه على نحو ما يشترط الواقف مع بقاء المال عاملا في القراض ) 
( تيسير الفقه الجامع لاختيارات شيخ الإسلام) . وقد اتجه الفقهاء بمختلف مذاهبهم إلى تأييد القول بجواز وقف النقود بعد أن كان بعضهم يتوقف في ذلك بحجة أن العين الموقوفة يجب أن تكون باقية ، ولا تتعرض للإتلاف ولكن بعد النظر في الأمر أصبح في الإمكان التعامل بها مع بقاء ما يقوم مقامها من غير إتلافها كما أنه في حالة السلف يمكن إرجاعها ، وكما قال الفقهاء المالكية وينزل بدله منزلة بقاء عينه . ومع تغير الأحوال والأزمنة اتسعت نظرة الفقهاء ، وجاء في حاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي تحت عنوان ( مطلب وقف الدراهم والدنانير): "ولما جرى في زماننا في البلاد الرومية وغيرها في وقف الدراهم والدنانير دخلت تحت قول محمد المفتى به في وقف كل منقول فيه تعامل كما لا يخفي فلا يحتاج على هذا التخصيص القول بجواز وقفها بمذهب الإمام زفر من رواية الأنصاري وقد أفتى مولانا صاحب البحر بجواز وقفها ولم يحك خلافاً)( حاشية بن عابدين ج4ص363).
 
أما في مذهب مالك فقد جاء في كتاب محمد العلوي العابدي ( 970): "يجوز التحبيس في الأصول اتفاقا ويجوز أيضا في النقود والطعام والحيوان والعروض في الراجح برد مثلها وأما الحيوان والعروض فتبقى بعينها إلى أن يموت الحيوان أو يبلي الثوب أو تتلف الآنية إلخ وينقطع باندثاره" ( تسولي 2/146) زرقاني 7/115).
 
  ومما تقدم نعرف أن وقف النقود جائز في الشرع وحيث أن العالم الإسلامي اليوم في حاجة إلى التنمية وسد حاجة الأفراد والجماعات وفي تشريع الوقف الذي شرعه الإسلام وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكما قال الإمام النووي: "هو مما اختص به المسلمون" ، وكما قال ابن رشد في المقدمات: "هو سنة قائمة عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده " 
فحبذا لو تقوم المؤسسات الإسلامية وخاصة وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي بتبني مشروع وقف النقود للقرض الحسن ، كما أنه في هذا المجال في الإمكان ومن السهل أن تقوم كل أسرة بمشرع يخصها فيقف الموسرون مبلغا يشارك فيه كل فرد بما يستطيع ويكون هذا المبلغ وقفا للقرض ويؤخذ عليه الضمان الكافي ليسدد في أقساط وبذلك تحل مشكلة كل فرد في الأسرة؛ لأن هناك من يريد أن يتزوج ولا يستطيع أن يدفع التكاليف، وهناك من يحتاج للعلاج والسفر وهو لا يستطيع دفع التكاليف، وهناك من يريد أن يبني مسكنا وليس عنده المقدرة إلا عن طريق دفع التكاليف بأقساط، فعن طريق القرض الحسن الذي يدفع من المبالغ المخصصة لذلك من مشروع الوقف ستحل مشاكل كثيرة ، وفي الإمكان أن يكون الوقف في نطاق الأسرة وفي نطاق القرية وفي نطاق المدينة وفي نطاق الدولة وفي نطاق البلاد الإسلامية ، وكل ذلك في سبيل الخير ورفع مستوى الحياة المعيشية للمسلمين (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل:20) .